الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

وسطاء الدماء والدمار

الأخطر من طاحونة الدم المجنونة في العالم العربي، كامن في وصفات الدمار المقدمة تحت عناوين الإنقاذ والمصالحة، وهي توليفات 'تحوّل' صراع الحدود إلى صراع وجود.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/02/10، العدد: 9824، ص(8)]

في العالم العربي فقط يتحوّل الوسيط الأممي للحل والحوار والتسوية السياسية إلى جزء من الإشكال والمعضلة، ويستحيل مبعوث المصالحة إلى معطّل لعجلة الحوار بين الفرقاء، والأدهى أنه يعمل وفق معادلة “ترضية الأضداد السياسيين” عبر إسقاط الدولة الجامعة وتقويض المرتكزات الأساسية لبناء الدولة الوطنية.

جمال بن عمر، الوسيط الدولي في اليمن منذ انكشاف الحراك اليمني عن “المطامع الثوريّة” للأحزاب الإخوانية، وافتضاح المطامح التقسيمية للشمال المذهبي وللجنوب الانفصالي، وانفتاح “اليمن” السعيد عن التدخلات الإقليمية الكبرى، عجز عن استيعاب المشهد المحلي وتقاطعاته الإقليمية والدولية، وقصر عن بلورة ورقة ترجع اليمنيين إلى المربّع الوطني حيث تتشكل القواسم الوطنية في 4 مفاهيم مركزية، هي “سيادة القرار الوطني دون تدخلات أجنبية، بناء دولة الإصلاح دون سلاح، الوحدة السياسية والاقتصادية الحقيقة بلا دعوات إلى الانفصال، محاربة الإرهاب دون تفاهمات تكتيكية أو استراتيجية معه”.

حالَ التشابك المحلي والإقليمي من جهة، والاشتباك بين “القبيلة والعشيرة والأحزاب” من جهة ثانية، دون تحديد جمال بن عمر والطاقم الأممي المساعد له، لخارطة طريق الحلّ السياسي في البلاد، والمفارقة أنّ مفهوم “التسوية” كان غالبا على مصطلح “التشاركية” صلب معجمية الفريق الأممي في اليمن، ما يكشف عن عقل “دولي” يروم البحث عن الصفقات بين اللاعبين الكبار والبيادق الصغار، وليس التنقيب عن أساس وطني لإنقاذ اليمن من أعداء الداخل والخارج.

هكذا استحال جمال بن عمر جزءا من المأساة اليمنية، ونقطة من نقاط التباين بين فرقاء الدم والسياسة والسلاح في اليمن السعيد، بعد أن أصبحت مداخلاته وورقاته ومقترحاته نسخة وفيّة لأصل إرادة الفاعلين الدوليين الكبار القائمة على “تأبيد” الدولة الفاشلة في اليمن وتسويغ التدخلات الأميركية والإيرانية والإقليمية تحت يافطة محاربة الإرهاب والقضاء على القرصنة قرب باب المندب. جمال بن عمر ليس سوى اسم في قائمة طويلة من وسطاء الدمار الذين تبعثهم الأمم المتحدة، محمّلين برسائل تسوية تزرع فخاخ الخراب في كلّ عاصمة عربية يحلّ بها “مبعوثو” المنتظم الأممي.

الأنكى من ذلك أنّ المنظومة الدولية تختار دائما “وسطاء عربا” لمزيد تأجيج النيران العربية ولـ“شرعنة” المقولة التفسيرية المهينة بأنّ “القضايا العربية العربية” هي محن مغلقة أشبه بحروب وجود بين الفرقاء المتحاربة، في حين أنّ الأصل يشير إلى أنّ الأمم المتحدة والفاعلين الدوليين “يحكمون” إغلاق محن العرب عبر تقديم “الحلول العسكرية” عن السياسية والدبلوماسية.

في 1989، اختار الوسيط الجزائري الأخضر الإبراهيمي توليفة طائفية تقسّم لبنان وفق طوائفه الثلاث، فإذ به ينهي الحرب الطائفية من 1975 – 1988 عبر تحويل لبنان إلى دولة طائفية عاجزة عن اتخاذ قرار سياسي سيادي دون رضا سادة “المذاهب”.

وفي 2004، عاد ذات الوسيط الدولي الجزائري الإبراهيمي إلى المشهد العربي من البوابة العراقية، معتمدا على ذات التوليفة الطائفية العرقية، موزّعا الدولة الوطنية وصلاحياتها وحقائبها الوزارية وتمثيلها السيادي على “الملل والنحل” العراقية، فكان أن “أحيا” المذهبية السياسية والدينية وأصاب الدولة الوطنية في مقتل.

وفي جوان 2011، أبدع طارق متري الوسيط الدولي في ليبيا زمن الحرب الأهلية “توليفة” مناطقيّة تقوم على إنهاء الحرب في ليبيا عبر توزيع السلطة في البلاد على 5 ممثلين من الشرق و5 آخرين من الغرب، معبّرا عن عقل سياسي دولي يرى في العالم العربي جغرافيات متنازعة وعرقيات متقاتلة وهويات متناحرة صنعت “الصدفة التاريخية” فعل عيشها المشترك، وليس امتزاج التاريخ بالحضارة، بالهوية، بالثقافة، بالفن وباللغة هو أصل الامتزاج والتلاصق والوحدة.

الأخطر من طاحونة الدم المجنونة في العالم العربي، كامن في وصفات الدمار المقدمة تحت عناوين الإنقاذ والمصالحة، وهي توليفات “تحوّل” صراع الحدود إلى صراع وجود وتصيّر “المشاكل السياسية المحلية” التي مفاعيل حلّها في الداخل إلى معضلات دوليّة مكامن تفكيكها في الخارج، والمفارقة أنّ “سطور” الخراب تحبّر بأسماء عربيّة بعنوان “وسطاء الحوار”.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر