الخميس 17 اغسطس/اب 2017، العدد: 10725

الخميس 17 اغسطس/اب 2017، العدد: 10725

النسوية والثقافة

المرأة لا تكتب لتتميز بل هي تكتب لتستعيد هويتها وحضورها ووعيها بذاتها جماليا، لذلك ليس كل ما تكتبه المرأة هو كتابة نسوية/أنثوية.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/02/12، العدد: 9826، ص(15)]

مشكلة المرأة مع الكتابة لا تتعلق بالمفهوم، أو شكل الكتابة الدالة على وعي ذاتي ناجم عن إدراك المرأة لهويتها كأنثى، أو العكس، بل هي ترتبط ببعدها الثقافي بعد أن سيطر الرجل على المجال الثقافي والاجتماعي والسياسي تاريخيا، وأصبحت المفاهيم والقيم والأفكار والرؤى السائدة تحيل عليه، وتعكس منظومته القيمية والجمالية والفكرية.

في واقع كهذا تبدو هيمنة هذه المرجعية على وعي المرأة ظاهرة من خلال استسلامها لهذه المنظومة، وخضوعها لاشتراطاتها، وفي مقدمتها الموقف من مفهوم الكتابة النسوية أو الأنثوية، وفقا لتعدّد المصطلح الدال ومرجعياته النقدية، حتى أصبحت أية محاولة لخلخلة هذه البنية أو الخروج على مرجعيتها تهديدا للقيم الثقافية والأدبية السائدة، وتجاوزا على سلطة المفهوم المكرّس.

صحيح أن الأدب في مفهومه العام لا يمكن تجنيسه، لكن الوعي الجمالي والفكري الذي يصدر عنه ذو طابع نسبي يختلف من كاتب إلى آخر، ومن مرحلة تاريخية إلى أخرى، فكيف إذا كان هذا الوعي مرتبطا بجملة من الخصائص الفيزيولوجية والنفسية والشخصية، وخاصة علاقة المرأة بالزمن وبالأشياء وبالرؤية إلى الحياة، حيث يميل الرجل إلى الأفكار المجردة، بينما تتجه المرأة نحو الحسي والواقعي، ناهيك عن توحدها مع الزمن بحكم طبيعتها الأنثوية (الطمث والولادة).

وإذا كان الرجل يتميز عن المرأة بالرؤية العامة للأشياء، فإن المرأة هي الأكثر اهتماما بالتفاصيل. هذه السمات وغيرها كما يحددها علم نفس الأعماق ودراسات الشخصية تتجاوز مسألة الوضع التاريخي والاجتماعي الذي ينضاف إلى مجمل هذه الخصائص، ليجعل من كتابة المرأة تمثلا وتمثيلا لخصوصية التجربة، ووعي الهوية والذات خارج إطار الثقافة السائدة ومنظومته القيمية والمفهومية.

المرأة لا تكتب لتتميز بل هي تكتب لتستعيد هويتها وحضورها ووعيها بذاتها جماليا، لذلك ليس كل ما تكتبه المرأة هو كتابة نسوية/أنثوية، وليس كل عمل بطلته المرأة أو يتناول وضعها هو أدب نسوي، لأن بعض ما يكتبه الرجال يمكن أن يكون متقدما على تلك الكتابات من هذه الناحية.

في الملف الذي نشرته مجلة الجديد في عددها الأول، والذي تضمن شهادات لعدد كبير من الكاتبات العربيات، يلاحظ القارئ أن أكثر المعترضات على مصطلح الكتابة النسوية والرافض له هن الكاتبات السعوديات، حيث سطوة الثقافة التقليدية ذات الطابع الذكوري، وهي التي تجعل وعي المرأة الكاتبة أكثر نفورا مما يخلخل منظومة هذه الثقافة، حيث تخاف المرأة من الخروج إلى الحرية بحكم حداثة تجربتها.

على الثقافة أن تعترف بالتعدّد وأن تنفتح على رؤية جديدة للعالم يمكن للكتابة النسوية أن تقدّمها، طالما أن مفهوم الكتابة هو مفهوم مؤنث هيمن الرجل عليه.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر