الثلاثاء 20 فبراير/شباط 2018، العدد: 10906

الثلاثاء 20 فبراير/شباط 2018، العدد: 10906

الجزائر: جمهورية الفساد

عشرات حالات التلبس بنهب المال العام كشفت عنها وسائل الإعلام لم تجد آذانا صاغية أو حتى إجراء تحقيقات بخصوصها من أجهزة النظام المسؤولة على الرقابة في البلاد.

العرب أزراج عمر [نُشر في 2015/02/12، العدد: 9826، ص(9)]

في هذا الأسبوع فجّرت الإعلامية الجزائرية آسيا شلابي فضيحة مالية لها أبعاد سياسية، وتتمثل في تورط وزارة الثقافة الجزائرية في نشر 43 كتابا وهميا مقابل 70 مليار دينار جزائري، أي ما يعادل 5 مليون أورو لصالح دور نشر مجهرية أسست بطرق ملتوية ولا يتعدى عددها أصابع اليد الواحدة. ومن العجائب والغرائب أن هذه الكتب القليلة ليس لها مؤلف، ودور النشر هذه مسجلة باسم جماعة من منطقة جنوبية واحدة. والأدهى أنَ نائب مدير النشر والكتاب بوزارة الثقافة الجزائرية الموقّع على هذه الصفقة، صرّح بأن توقيعه لا يتجاوز حدود التوقيع التقني، وذلك للتملّص من المسؤولية.

في سياق نهب المال العام لم يتم التحقيق الجنائي في الأموال المسروقة إلى يومنا هذا، والمتعلقة بقضية الطريق السيارة الذي كلّف الخزينة الوطنية مليارات الدولارات. إلى جانب ذلك فإن قضية استيلاء الوزير السابق شكيب خليل وجماعته على ما لا يقل عن 250 مليون دولار، لا تزال مهملة وتحولت إلى متاهة وألغاز. وفضلا عن هذه الفضائح هناك عشرات حالات التلبس بنهب المال العام التي كشفت عنها وسائل الإعلام التابعة للقطاع الخاص دون أن تجد آذانا صاغية أو حتى إجراء تحقيقات من طرف أجهزة النظام الحاكم المسؤولة على الرقابة في البلاد.

يبدو واضحا أن النظام الجزائري يقلب النهج البيداغوجي في حقل التعليم الذي يقول مؤسسوه ومنظَروه إن العلم يترسّخ بالتكرار. وبدلا من تطبيق هذا النهج في الميادين الاجتماعية والاقتصادية والعلمية وعلى مستوى ما يشكل عصب التنمية في البلاد، فإن النظام الجزائري صار يرسّخ تقاليد جديدة تسمح بتكرار نهب المال العام واعتبار ذلك أمرا طبيعيا.

إن نهب المال العام في الجزائر يحدث في الوقت الذي ينزّه عن ذلك مجلس المحاسبة والبرلمان الجزائري ومجلس الأمة المفترض أنها تمثل الهيئات الرسمية التي تراقب وتحاسب إدارات الدولة والأجهزة التنفيذية. من المعروف أن مجلس المحاسبة، الذي تأسس وفقا للدستور الجزائري في عام 1976، يملك صلاحيات الرقابة الشاملة على “الجماعات والمرافق والمؤسسات والهيئات التي تسيَر الأموال العمومية أو تستفيد منها مهما كان وضعها القانوني”. لكن هذه الصلاحيات، قص جناحها عام 1980 حين تم استصدار قوانين نصت على أن “المؤسسات العمومية والمرافق العمومية ذات الطابع الصناعي والتجاري” مستبعدة من صلاحياته.

في هذا السياق ينبغي التذكير بأنه تم عام 1995 مراجعة وضع مجلس المحاسبة وإثر ذلك وسعت نشاطاته لتطال الرقابة على كل ما يمت بصلة إلى الأموال العمومية. لابد من التوضيح أن القانون الجزائري يخوّل لرئيس الجمهورية أو الوزير الأول، بإشراك مجلس الأمة والمجلس الشعبي دراسة الملفات ذات الأهمية الوطنية، ومنها ملف تسيير وإدارة المال العام في أجهزة الدولة المختلفة، وعلى صعيد المؤسسات التابعة للقطاع الخاص. ومن الناحية النظرية الشكلية، فإن القانون الجزائري مثبت وواضح بخصوص مراقبة إدارة مال الشعب الجزائري، ولكن النظرية شيء، والتطبيق شيء آخر تماما.

منذ تولي الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة للحكم برزت ظاهرة تسمّى في الجزائر ”الشكارة” وتعني السطو على المال العام دون محاسبة، واستعمال هذا المال لتحقيق أغراض شخصية على حساب أرزاق المواطنين، وأكثر من ذلك فإن مجلس المحاسبة قد جُمّد تماما وأصبح جهازا إداريا فضفاضا.

لاشك أيضا أن ما يعرف بفضيحة مجمع عبدالمؤمن خليفة التي هي واقعة اقتصادية مشينة دمّرت حياة آلاف من الموطنين والمواطنات قد شارك فيها أهل الحل والربط في هرم السلطة وبمباركة جهاز الرئاسة. توجد أدلة دامغة وتتمثل في الوثائق التي هي في متناول الجميع والناطقة بالصور الحية التي لا يقدر أحد أن يكذَبها، وتبيَنُ أن رئيس الوزراء السابق، الذي يقود قطب المعارضة حاليا، علي بن فليس كان في ذلك الوقت كرئيس حكومة من بين العرّابين الكبار الحاضرين في أعراس ومآدب عبدالمؤمن خليفة، والممثل الفرنسي دو بارديو الذي أَسندَ إليه القطاع الجهوي بغرب الجزائر العديد من مزارع الخمور، وغيره من الشخصيات الأجنبية الذين أوكلت إليهم مهمة تلميع صورة الجزائر مقابل أموال واستثمارات اقتصادية بشكل سري وغير قانوني.

لابد هنا من الاشارة إلى مسألة مهمة وهي أن أجهزة النظام الجزائري لا تتبع أسلوب الشفافية في جميع الميادين، حيث لا يعلن عن مصاريف وزارة الخارجية والسفارات وصناديقها السوداء السرية، والشيء نفسه بخصوص مصاريف المحافظات.

هذا الوضع الذي يعصف بالتنمية الوطنية ويؤسس لمجتمع تنتفي فيه أخلاقيات القيادة الوطنية، هو وضع سياسي بنيوي منحرف وليس مجرد ظاهرة إدارية طارئة.

كاتب جزائري

أزراج عمر

:: مقالات أخرى لـ أزراج عمر

أزراج عمر

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر