الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

رفع الانسداد عن شوارع بغداد

انسداد طرق العراقيين ظاهرة تستحق البحث بجدية، ما دامت البداية كانت فتح الطرق المسدودة منذ 12 عاما، فلابد من بحث فتح الطرق المسدودة الأهم والأخطر، خاصة المتعلقة بنهب ثرواتهم والتفريط في حقوقهم.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/02/13، العدد: 9827، ص(9)]

عاش البغداديون طيلة 12 عاما منذ غزو بلادهم عام 2003 وهم أسرى بيوتهم، ابتداء من بعد انتصاف الليل بقليل حتى الفجر، في إطار حظر للتجوال شمل الجميع وشكل ذلك عبئا وتضييقا على حياتهم وعلى حرية الحركة وحتى للحالات الطارئة التي تستدعي الذهاب إلى المستشفى مثلا، وقد عشت شخصيا فصلا من فصول حظر التجوال هذا حيث هبطت بي الطائرة بعد تأخير في مطار بغداد الدولي حوالي الساعة الحادية عشرة مساء، وبعد إتمام إجراءات القدوم كان حظر التجوال قد بدأ وأغلقت أبواب المطار علينا، نحن المسافرين القادمين، وحيل بيننا وبين الخروج حتى طلع الصباح وبدأ الكلام المباح حول تلك المعاناة .

اليوم يتخذ حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي قرارا برفع حظر التجوال، فضلا عن فتح عشرات الشوارع التي كانت مغلقة في العديد من أحياء العاصمة بغداد ومنها شوارع حيوية أدى إغلاقها إلى أزمات مزمنة في حركة السيارات وزحام متواصل بدعوى حفظ الأمن، ورغم تلك الإجراءات إلا أن الأمن لم يتحسن يوما طيلة 12 عاما، ولم يخل يوم واحد في حياة العراقيين من سقوط الضحايا مما دل على عدم جدوى حظر التجوال وعدم جدوى تقطيع أوصال العاصمة بالطرق المسدودة .

العراقيون إذ استبشروا خيرا بفك انسداد شوارعهم فإنهم في أمس الحاجة إلى فك انسدادات أخرى في حياتهم، إذ ليس من المعقول، مثلا، أن تُشرع قوانين جديدة تعدُّ حرية التعبير في بعض المفاصل ضربا من المحرمات، ومن ذلك عدّ التخاصم على شبكات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر مما يحاسب عليه القانون، وترجمة ذلك منع انتقاد السياسيين والتعرض للمساءلة القانونية تحت بنود قانون النشر المعمول به، وهذا نوع جديد من الانسداد، أما ما هو أكثر تعقيدا فهو انسداد الطرق عن محاسبة عشرات ومئات الفاسدين والمفسدين الذين أثروا من المال العام ومن المشاريع الوهمية ومن العمولات والسرقات، ويستطيع أي عراقي تلتقيه اليوم أن يروي لك وبالأسماء قصص الفساد الضخمة والأدوار الرديئة لعوائل الكثير من المسؤولين وأبنائهم وإخوانهم وأقاربهم وكيف كانوا قبل 12 عاما، وكيف أصبحوا اليوم.

هذا انسداد من نوع آخر وهو السكوت على مئات من ملفات الاختلاسات وسوء الإدارة وهدر الأموال، وهو علامة فارقة لعراق ما بعد 2003، فجميع المطالبات بالتحقيق والمحاسبة وبالأسماء والوثائق تفضي إلى طريق مسدود، ولا يعلم الشعب يقينا إن كان العبادي سيتمكن من فتحها أم لا.

لقد استفحلت ظواهر الفساد المالي والإداري إلى درجة أضعفت هيبة الدولة وقدمت صورا مزرية، من ذلك ما صرح به العبادي نفسه فيما عرف بالجنود الفضائيين الذين عدهم بعشرات الألوف وهم جنود وهميون مسجلون في السجلات المالية، ويتقاضون الرواتب دون أن يكون لهم حضور في قطعات الجيش بشكل فعلي، ولما طالب الرأي العام بالكشف عن المتواطئين في موضوع الفضائيين وصلت الاستجوابات والنداءات إلى طريق مسدود، وهنالك بالطبع مئات الملفات الأخرى التي تتحدث عنها هيئة النزاهة ومثلها مأساة ما يعرف بـ “سبايكر” ومثلها مأساة سقوط الموصل في أيدي “داعش”، كلها فتحت فيها تحقيقات منذ شهور ولكن يبدو أنها أيضا وصلت إلى طريق مسدود والدليل هو عدم ظهور أي نتائج لأي لجان تحقيقية شكلت، سواء لملاحقة الفساد والفاسدين أو للكشف عن المتسببين في الهزائم العسكرية وسقوط الضحايا.

يقابل ذلك انسداد مزمن يتعلق بما عرف بالمصالحة بين مكونات الشعب المختلفة، وهي قصة مازالت تعاد مضامينها وشعاراتها منذ 12 عاما، وصار في حكم اليقين أن ملايين الدولارات قد أنفقت طيلة السنوات الثماني الماضية على ما عرف بالمصالحة من خلال عقد الندوات والمؤتمرات والظهور والتباهي أمام الشاشات، دون أن يكون لتلك المصالحات أثر على أرض الواقع، وغاب عن هؤلاء وأولئك أن المصالحة الحقيقية تبدأ وتكتمل إذا ما أصبح مفهوم المواطنة والمساواة والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص هو السائد، ومتى تم تجريم الطائفية والداعين إليها والمنادين بها وهو ما لا يريده كثير من المنتفعين، ولهذا فإن قضية المصالحة وصلت بدورها إلى طريق مسدود، وإلا لما سقطت محافظات عراقية بأكملها في أيدي الإرهاب أمام مرأى ومسمع الحكومة السابقة، دون أن تستطيع فعل شيء بسبب الانسداد السياسي والمنكافات بين الساسة، والصراعات العرقية والطائفية، وتغلب الأنانيات على المصلحة الوطنية، وهذا الكلام هو الذي طالما يجهر به علنا بين الساسة المتخاصمين طيلة السنوات الماضية، حتى صاروا هم سببا آخر في الخصومة بين الناس.

انسداد الطرق في حياة العراقيين يستحق البحث بجدية ما دامت البداية كانت فتح الطرق المسدودة منذ 12 عاما، فلابد من بحث فتح الطرق المسدودة الأهم والأخطر، وخاصة تلك المتعلقة بنهب ثرواتهم والتفريط في حقوقهم وتهديد حياتهم.

كاتب عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر