الثلاثاء 24 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10791

الثلاثاء 24 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10791

أخبار سيئة بصياغة جيدة

الصحافي والإذاعي الأميركي المخضرم “والتر كرونكايت” فإنه يشبه الخبر السيئ ولكن المصاغ جيدا مثل حبة دواء مرة مغلفة بغلاف مقبول، ولا نقول بطعم السكر.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/02/17، العدد: 9831، ص(18)]

تتسابق الصحافة بأنواعها على الخبر، لكن الخبر على الشاشات والبث الحي صار اليوم علامة فارقة من علامات وجودنا، وعلامة فارقة تشير إلى أين وصل الإعلام ومنجزه وتقنياته وإلى أين وصلت مواكبة الحدث في لحظته الساخنة والحية، على طريقة “ننتقل بكم الآن” أو “ننقل لكم نقلا حيا أو مباشرة”.

ولعل هذا الاهتمام النفسي بالحدث قد أوجد واقعا موازيا ألا وهو حالة الشغف بالخبر التي تنتاب شرائح واسعة من المتلقين، حتى الخبر الذي لا يعني المشاهد وليس في منطقته الجغرافية ولا يخص بلده تجده يستمع له باهتمام ويراقب المراسل وهو يروي الخبر أو ينقل الحدث نقلا حيا.

نحن إزاء ماراثون ملحوظ ويومي وراء الخبر، تجند له حشود من المراسلين من حول العالم وكل يريد ان يصل إلى السبق الصحفي قبل الآخر، مع أن مساحات هذا السبق الصحفي صارت تضيق بفضل انتشار المراسلين والمكاتب في العديد من بقاع العالم سواء منها الساخنة أو الباردة، لكن يبقى السؤال هو عن الخبر.

بأسلوب لا يخلو من الطرافة يروي “توم بيتي”، المنتج التلفزيوني والموسيقار، علاقة المشاهد بالشاشة من جهة الأخبار قائلا “إن التلفزيون وهو يقدم الخبر فأنه ليس معنيا بك كمشاهد، في ما إذا كان الخبر سيئا أو كان وقعه مضرا بصحتك، بل إن هنالك من يستشيط غضبا قائلا إن مشاهدة هذا الكم الهائل من الأخبار مضر بالصحتين النفسية والعقلية”.

وأما زميله الصحافي والإذاعي الأميركي المخضرم “والتر كرونكايت” فإنه يشبه الخبر السيئ ولكن المصاغ جيدا مثل حبة دواء مرة مغلفة بغلاف مقبول، ولا نقول بطعم السكر. وعلى هذا صار السباق المحموم وراء الخبر هو، حقا، لهاث وراء أخبار صاعقة أو مؤثرة أو صادمة أو لها تفاعلاتها وارتداداتها ولكنها ستبقى أخبارا غير سارة، كمثل أخبار الحروب التي تدور رحاها من حولنا لكن العبرة في إعادة إنتاج الواقعة وإعادة إنتاج الخبر.

إنها، حقا، أخبار سيئة لكن فيها ابتكار في الصياغة ولكن السؤال هو أين يكمن الابتكار؟

سؤال طالما حير صانعي الخبر، إذ لا توجد وصفة جاهزة بقدر ما يتطلب الأمر دراسة فحوى الخبر والجمهور المستهدف، لاسيما وأننا إزاء جمهور محتشد لمراقبة التطورات وخاصة هذه الصراعات التي تضرب قلب العالم العربي، والمواطن-المتلقي إما أنه قد أشبع أخبارا سيئة أو استقبل تلك الأخبار برحابة صدر، لسبب بسيط وهو: نعم هي أخبار سيئة ولكنها حسنة الصياغة، وما بين هذا وذاك صرنا أمام إشكالية مركبة تتعلق بفحوى الخبر وهذا اللهاث الماراثوني اليومي الذي نشهده لملاحقة الأحداث ومواكبتها وإمطار فضاء المشاهد الرقمي بالمزيد من الأخبار التي تلفت انتباهه، والتي وإن كانت في بعض الأحيان أخبارا غير سارة لكن ميزتها الأساسية أنها حسنة الصياغة وفيها ما قلنا عنه إنه ابتكار.

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر