الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

ربع ساعة من الإنسانية ربما تكفي

ربع ساعة قراءة تعني أمية أمة، وتعني أننا جميعا أسرى نص ما، وأن من يقرأ لساعات طويلة في أحداث تاريخ ينتقيها سيدفع بنفسه إلى أتون نص واحد.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/02/18، العدد: 9832، ص(9)]

ربع ساعة فقط معدل القراءة للفرد العربي، وهذا يعني أن الأكثرية لا يقرؤون ومن يشفع لهم بالربع ساعة إنما هي خصومات أو غرامات إحصائية تستلب من القراء الأكثر قراءة، وللقراءة مناسيب تقييم ترتفع وتنخفض، مثل ذائقة الإحساس بجمال الفن ونـوع الاهتمـامات. “ممكن مع حامد الكيلاني” أن نتعـرف على شخصيات تجالسنا لأول مرة، بسرعة، دون الدخول في (السيفيات) والآراء وتأريخ من يحدثنا ونحدثه.

الأسئلة مطارق لتفتيت التعليب، ووضع النموذج المراد تحت المجهر وبعملية منهجية مع الخبرة والممارسة تأتيك النتائج وأنت جالس في مقهى الشابندر أو غيره من المقاهي التي تحول بعضها إلى مدخنة (كييف) وعجبت لك يا زمن وملعون أبو الدنيا، تسأل أحدهم من تحب من المطربين أو المطربات؟ وما إن يأتيك الجواب، حتى تبدأ بترتيب موضع له على رفوفك الخاصة، ومع أسئلة أخرى بسيطة مضافة، تستدل بنسب عالية على توجهات الذوق وتأثير البيئة، وضغوطات المهنة ونوع العائلة والاختصاص ومستوى التعليم وطاقة التأمل والتفكير، وبعدها إما أن تذهب به إلى “خانة إليك” وتقفل على علاقتكما كما يحصل في الاستخدام لمرة واحدة، ولتوقيت أحيانا لا يتجاوز الدقائق وتصبح الربع ساعة من الأزمنة الطويلة المملة، وإما أن تذهب به إلى شوط أبعد من الساعة ومن يدري قد يمتد لسنوات أو رفقة حياة.

الأسئلة السريعة التي لا تحتاج إلا نعم أو لا، أو صح أو خطأ، أو كلمة أو كلمتين في الإجابة، احتمال أن نتعاطى معها بابتسامة باهتة لنؤكد فيها سذاجة الأسئلة وعدم صلاحيتها في حديث يتلمس مصير أزمة كبرى، مثل اللقاء الذي أجرته صحفية أميركية لإحدى القنوات الشهيرة، قبل أشهر قليلة من مأساة تدمير الجيش العراقي والبنى التحتية والعمرانية، وهي الحرب التي أدت في ما بعد إلى حصار خانق طويل الأمد، ثم الاحتلال الأميركي وحلفائه للعراق، أسئلة قصيرة توجهت بها الصحفية إلى الرئيس العراقي في نهاية 1990 كانت البدايات، هل تستمع إلى الأغاني؟ أي مطرب أو مطربة تحب أن تسمع؟ هل تستمع إلى الموسيقى؟ نوع الموسيقى؟ هل تشاهد الأفلام، أي الأفلام؟ هل تعرف أسماء مخرجين عالميين؟ ثم وصلت إلى: هل تقرأ الكتب؟ ما أسماء الكُتاب الذين تقرأ لهم أو تأثرت بهم؟ نوع الكتب؟ أكيد انتهت الأسئلة المتسارعة مع حيرة في الوجوه، عن دخل هذه الأسئلة بلقاء يهتم بتداعيات أخطر أزمة عالمية، سببها اجتياح العراق للكويت.

بعد ربع ساعة فقط، سار اللقاء إلى جدية الحوار بما يتعلق بموقف الرئيس من الأحداث وتداعياتها، بالنسبة للجهة الإعلامية كان جهدها ينصب على قراءة الشخصية وليست الأحداث، لأن أميركا تريد أن تعرف كيف يفكر؟ وماذا يدور في خلده واهتماماته وتوجهات ذاكرته وتخصصها المعرفي وتراكم ونوعية الوعي. كانت النتائج بعد الفحص المختبري للإجابات، كل المخططات والمشاريع التي أدت إلى إعادة عجلة العراق إلى وقائع ما يجري اليوم على أرضه.

نلتقي بطبيب متخصص بالأطفال، نتابع حديثه عن الطفولة وأمراضها وعلاجاتها، وأحيانا تتابع حياته الشخصية وتراها فاشلة بكل المقاييس وينطبق هذا على تخصصات المهن الأكاديمية أو الحرفية أو الصناعية والتجارية، وكثير منهم ناجحون في جمع المال أو الجاه أو السلطة، لكنهم ضمن نصهم، والنص المقروء والمقرب إلى الشخصية هو مفتاح الدلالة لمغاليق المآسي التي نتعرض إليها كعائلة إنسانية، وبالذات ضمن منطقتنا، فالجماعات المتشددة على اختلافها وجنسياتها ومصادر تمويلها وأهدافها وخفاياها إنما هي نتاج (نص) مقروء بتكرار ودون ملل، تحتضنه باليقين والإيمان، ويتناغم مع رؤاها واهتماماتها وتثق به وتتفاعل معه وتنقاد له انقياد الفرس لفارسها، لأن لجامها بيده وهو المهماز لحركتها ووجودها وتتماهى معه بالإشارة واللمسة والإيحاء وتنتصر له حتى بحياتها.

ربع ساعة قراءة تعني أمية أمة، وتعني أننا جميعا أسرى نص ما، وأن من يقرأ لساعات طويلة في أحداث تاريخ ينتقيها سيدفع بنفسه إلى أتون (نص واحد) لا يستحق أكثر من ربع ساعة، أما إذا كان في موضع السلطة أو واجهة السلطة فلنا جميعا عاقبة نصه الخاص، وهكذا حدث لنا، وما سيأتي أبشع لأننا نقرأ نصنا بفخر ويقين. الكثير من الأفراد والجماعات والشخصيات والقادة يأكلون من شجرة زقوم، ويزرعون بذور الشوك لتنمو الأسلاك الشائكة بين البشر وبين النصوص المختلفة.

ربع ساعة قراءة، أو 100 ساعة قراءة ربما تعمق الجهل وتطلقنا بعيون معصوبة وقلوب مغلقة وعقول تكييف النص إلى أرض حرام، تتهدد فيها الحياة كل لحظة. لماذا لم يعد يهزنا حتى الموت؟ دائما ثمة نص آخر يحيا معنا على الأرض، يستحق القراءة والتعرف عليه “بمودة ورحمة” ولو لربع ساعة من الإنسانية.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر