الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

ديني هو دينك

أغلب من على الأرض من البشر يريدون أن يأخذوا ولا يعطوا، أن يُحترموا ولا يَحترموا، أن يُقدّس دينهم ويُبتذَل دين غيرهم.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2015/02/20، العدد: 9834، ص(21)]

توظف العديد من الأنظمة، المدعومة بالزخم الإعلامي والمسنودة من التيارات المتشددة، الدين كأداة للتحكم في مشاعر الشعوب وتوجيهها كالقطيع وفق ما يخدم مصالحها ويساهم في ديمومتها.

وللأسف فإن أغلبها قد وجد أرضية خصبة داخل شريحة عريضة من الأغبياء والمغلوبين على أمرهم، ممن خيل إليهم أن مهمتهم هي حماية الله في ملكه وحراسة مقدساته.

وقد أصبح العالم الافتراضي مناخا آمنا لتفريخ الجماعات المتشددة وبيئة شاسعة لاستقطاب وتدريب العشرات من جنود الموت المشحونين بالحقد والكراهية لقيادة مشاريع الإرهابيين والدفاع عن أفكارهم المتعصبة.

والأدهى من هذا كله أن الكثيرين صدقوا أنهم مبعوثون في الأرض لدحر قوى الشر، فعاثوا تقتيلا في بني البشر عملا بتعاليم إلههم، الذي منحهم تفويضا بالتنكيل بالعباد.

ويبدو أن ربهم الذي يعتقدون أنهم ينتصرون إليه بأفعالهم المشينة وأفكارهم البغيضة، ليس في حقيقة الأمر إلهانا، الذي أمرنا بالعدل والإنصاف وبالتسامح والغفران وقت المقدرة، وهي القيم العظمى التي من أجلها أنزلت الكتب وأرسلت الرسل، وليس الصراع والتطاحن والتقاتل وحزم الأجساد بقنابل موقوتة واستباق عزرائيل في قبض أرواح الناس.

هذا الإله الذي يدعون أنهم يجاهدون من أجله، فيسفكون الدماء ويغتصبون الأطفال والنساء، لا أعتقد أنه رب الناس جميعا، بل شيطان أخرس يسكن في وكر عقولهم المريضة ويحرضهم على ارتكاب العنف.

يبدو لي أن حروب الأيديولوجيات قد فعلت فعلتها داخل المجتمعات، وبسببها انسلخت الشعوب عن مبادئها الإنسانية التي هي أساس مقوماتها الوجودية، وأصبحنا نسير شيئا فشيئا نحو طريق مجهول، وننحو بشكل جنوني إلى عالم ممزق ينخره الصراع على الهويات الطائفية والمذهبية والعرقية رغم منطقة التداخل السميكة بين مصالحنا وثقافاتنا وحضاراتنا.

لقد وصلنا إلى حقبة ارتدادية يغذيها الإرهاب الفكري الذي جعل من الأديان ذريعة لإزهاق أرواح الأبرياء واضطهاد الضعفاء واغتصاب حقوقهم وحرياتهم.

وليس ذبح الأقباط المصريين في ليبيا وحرق الطيار الأردني “معاذ الكساسبة” والهجمات الانتحارية التي تغتال العشرات يوميا في العراق ومقتل المسلمين والمسيحيين في نيجيريا والحرب الدينية في جمهورية أفريقيا الوسطى وجرائم الكراهية التي تنفذ في أوروبا وأميركا باسم الدين، إلا عنوانا على قمة الانحطاط الأخلاقي والديني والإنساني الذي أصبحنا عليه اليوم.

إن مارد الإرهاب الذي نعيش أو نشاهد أبشع صوره هنا وهناك، لم يكن لتكون له هذه القدرة على الطغيان والتغول، لو كانت الأنظمة التي تحكم المجتمعات قائمة على مبدأ المساواة ومؤمنة بأن المصالح الإنسانية لا صلة لها بالاختلاف في الأديان أو بالتناظر في العادات والثقافات.

وكذلك لو كانت المجتمعات علمت أجيالها منذ نعومة أظفارها آداب الحوار والتحاور والتعايش السلمي واحترام الآخر.

ولكن يبدو أنني أتحدث عن مؤسسة أفلاطون الفاضلة التي لا وجود لها إلا في العالم الميتافيزيقي، فأغلب من على الأرض من البشر يريدون أن يأخذوا ولا يعطوا، أن يُحترموا ولا يَحترموا، أن يُقدّس دينهم ويُبتذَل دين غيرهم.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر