السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

غاب عن عيني مرادي

لم يتغيّر الكثير، وربما حتى القليل، في ساحات الإعلام العربي وحتى داخل الأسرة العربية والإسلامية، فحتى هذه اللحظة ما زالت الحساسية ذاتها تجاه الكلمات والمعاني قائمة قادرة.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/02/20، العدد: 9834، ص(24)]

نُصحنا وننصح نحن الأصدقاء بقراءة كتاب طريف عن عصر الرقابة العثمانية التركية على الصحافة العربية، وضعه الصحفي والمؤرخ اللبناني سليم سركيس ابن القرن التاسع عشر وناشر جريدة “المشير”، الذي حكم عليه الباب العالي بالإعدام نتيجة نقده للدولة واستبدادها، فألف كتاب “غرائب المكتوبجي” وطبعه في محروسة مصر في العام 1896، وأرسله إلى السلطان عبدالحميد، وقال في مطلعه “مولاي يسوءني أنني من جملة رعاياك لأنه يسوءني أن أكون عبدا، وأنت عوّدتنا أنك تعتبر الرعية في منزلة عبيد لك بدل أن تتبع الحقيقة”.

وكلمة المكتوبجي كانت تعني الرقيب الذي تثق به الدولة، ولذلك كانت لا تعين أحدا في هذا المنصب إلا من الأتراك، وكان هذا الرقيب التركي شديد الغباء على حد وصف سركيس، فكان يتخذ طرائق له في التضييق على الصحافة العربية تثير الضحك أكثر من الاستغراب، كما حدث حين حذف المكتوبجي عبارة “الطليان أمة المعكروني” من مقال يتحدث عن إيطاليا بذريعة أن العبارة تسيء إلى العلاقات التركية الإيطالية، كما قام مكتوبجي آخر بحذف جميع الكلمات الغرامية من قصائد الشعر الجاهلي والمعلقات، كي لا تخدش الحياء العام، فصار امرؤ القيس خجولا عفيفاً والنابغة الذبياني محافظا إسلاميا.

وعندما مات قيصر روسيا أورد أحد الصحفيين اسمه هكذا “جلالة الإمبراطور نيكولا الثاني”، فاعتبر المكتوبجي أن الكاتب يسيء إلى السلطان، لأن لفظ “جلالة” لا يجوز أن يمنح لغيره، أما حين رأى المكتوبجي عبارة “نيل المراد” ومعناها لمن لا يعرف تحصيل الغرض المنشود، فقط اعتبرها معادية للروح العثمانية، لأن النيل نيل الدولة العثمانية، وليس نيل مراد، وتساءل: ” من مراد هذا؟”.

ويستعرض سركيس الأمثلة على غرائب المكتوبجي، فيحكي أن صحف بيروت نشرت خبرا يقول إن أحمد أفندي سلطاني غادر الثغر لزيارة شقيقه محمد أفندي سلطاني المقيم في الأستانة، فحذف المكتوبجي النون والياء من اسم عائلتهم فصاروا من “آل سلطا”، لأن السلطان هو سلطان الدولة العثمانية ولا يجوز أن يلقب باسمه أحد سواه، وحين تم اغتيال رئيس الجمهورية الفرنسية كارنو، بطعنة سكين، قام المكتوبجي بتحوير الخبر إلى “انتقل إلى رحمة الله تعالى” وليس “لقي حتفه طعنا” لأن الملوك لا يجب أن تُقتل، وهذا كلامٌ يؤثر على سمعة السلطان ويشجع الرعية على الاغتيالات.

وحين سافر عبده الحامولي الموسيقي المصري إلى إسطنبول مع الخديوي، أمره السلطان بالغناء، فجاء المكتوبجي لمراقبة الأغاني قبل أن يؤديها الحامولي فنظر في موّاله “غاب عن عيني مرادي/وخلعتُ عذري في هواك”، وقام بحذف كلمة “مراد” حتى لا تزعج السلطان لأنها تذكّره بالسلطان مراد، وكذلك “خلعت” التي تذكّره بإزاحة السلاطين عن العرش.

لم يتغيّر الكثير، وربما حتى القليل، في ساحات الإعلام العربي وحتى داخل الأسرة العربية والإسلامية، فحتى هذه اللحظة ما زالت الحساسية ذاتها تجاه الكلمات والمعاني قائمة قادرة، وما زال قطب التأثير فيها، مكتوبجي هنا أو هناك يغازل سلطانا هنا أو هناك، أما العقل فهو في وادٍ والخلق في واد، بينما المستقبل يقول أنْ لا سلطان سوى سلطان العقل.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر