الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

القاعدة وأخواتها الورقة الرابحة في يد النظام السوري

النظام يستثمر توسع سلطة تلك الجماعات المتطرفة والمعادية للغرب ولإسرائيل لكي يبين لهم نوع البديل المفترض، وأن عليهم أن يختاروا بين السيء والأكثر سوءا.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2013/09/25، العدد: 9331، ص(9)]

المخاض العسير والدامي والمؤجل للثورة السورية يستدعي من المهتم بالشأن السوري أو المعني بدراسة ما يعرف اصطلاحا بثورات الربيع العربي البحث في مجموعة العوامل والأسباب التي قادت هذه الثورة إلى هذه المآلات المأساوية وغير المتوقعة التي انتهت إليها، وانعكاساتها الكبيرة على شوارع عربية أخرى كان يمكن للانتفاضة العربية أن تصل إليها بسبب توافر كل الأسباب والعوامل الموضوعية لقيامها.

إضافة إلى البحث في الوضع الذي جعل هذه الثورة دون نصير حقيقي يقف إلى جانبها، لاسيما ممن كان يؤمل منهم أن يكونوا الداعمين الحقيقيين لها، وفي طليعتهم الثورة المصرية نظرا لطبيعة الروابط التاريخية والسياسية التي تجمع بينهما، ناهيك عن المصلحة المشتركة في التخلص من الديكتاتوريات القديمة وفتح أفق جديد أمام تحولات الواقع الذي تتطلع هذه الثورات لتحقيقه على صعيد الحريات العامة، والديمقراطية، ومبدأ المواطنة، واحترام كرامة الإنسان، وحقه في الحياة؟

إن الإجابة الأولى عن هذين السؤالين تتطلب أولا البحث في طبيعة النظام السوري والبنية الأمنية والعسكرية المحكمة ذات الطابع الطائفي الخاص لهذا النظام، إلى جانب البحث في سلوكه السياسي البراغماتي الذي كان يدرك جيدا طبيعة اللعبة السياسية في هذه المنطقة التي تتصارع فيها وعليها إرادات القوى الدولية، وتشكل فيها المصلحة الإسرائيلية حجر الزاوية وهوما تجلى واضحا في التزام النظام التام والكلي ببنود اتفاق فك الاشتباك على جبهة الجولان عام 1974 برعاية أميركية، وذلك طوال أكثر من ثلاثة عقود على الرغم من كل شعارات الممانعة والصمود التي كان يرفعها للتغطية على حقيقة سياساته ودوره في المنطقة.

هذا الإدراك القوي لأهمية العامل الإسرائيلي في معادلة المنطقة هي التي جعلت زعيم المافيا الاقتصادية رامي مخلوف يعلن في تصريحه الشهير للصحافة الأميركية بأن أمن إسرائيل هو جزء من أمن النظام السوري في رسالة واضحة إلى من يعنيهم الأمر من القوى الغربية منذ بداية الانتفاضة.

ومن أجل استخدام هذه الورقة التي تجعل القوى الدولية تتغاضى عن ممارسات النظام وطبيعته الإجرامية بحق السوريين وحتى عن سلوكه الابتزازي لتلك القوى تارة عن طريق التحالف مع إيران، وتارة أخرى عن طريق استخدام القاعدة وأخواتها في العراق أداة لإفشال مشروع الشرق أوسط الجديد وتداعياته االسلبية الكبيرة عليه.

لقد أدرك النظام حاجة إسرائيل والقوى الداعمة لها إلى وجود نظام قوي قادر على ضبط الساحة السورية والحفاظ على استقرار جبهة الجولان، ولذلك كان يقايض الجميع على ذلك مقابل إطلاق يده داخليا والتغاضي عن سياساته القمعية، إضافة إلى الاعتراف بدوره الإقليمي. ورغم ذلك استمر في سياسة ابتزاز الغرب وإسرائيل لكي يدفعهم للتفاوض معه باعتباره اللاعب الأساسي الذي يمسك بخيوط اللعبة، حتى استطاعت إيران أن تسحب من يده الكثير من تلك الخيوط في السنوات الأخيرة. في ضوء ذلك يمكن فهم الأسباب الحقيقية وراء اندفاع النظام إلى دفع الانتفاضة نحو العسكرة من خلال العنف الوحشي الذي راح يمارسه ضد السوريين المنتفضين. صحيح أنه كان يدرك فائض القوة الكبير الذي يملكه، لكن ما كان يسعى إليه هو تحويل الساحة السورية إلى ساحة استقطاب للقوى الجهادية على غرار الساحة العراقية بعد الغزو الأميركي، ما سيدفع بالقوى الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة إلى عدم تبني خيار إسقاط النظام نظرا للمخاطر الكبيرة التي ستنعكس على أمن إسرائيل والاستقرار في المنطقة.

ولعل ذلك هو السبب الحقيقي الذي جعل الولايات المتحدة والغرب حتى الآن عاجزين عن نهج سياسة قوية وفاعلة في الأزمة السورية، خوفا مما يمكن أن ينجم عن سقوط النظام من فوضى وسيطرة للقوى الجهادية التي ستشكل خطرا مباشرا على أمن إسرائيل. ومن أجل تحقيق هذا الهدف سارع النظام منذ البداية إلى الحديث عن الفتنة الطائفية وإلى نشر الفيديوهات التي تكشف فظاعة الجرائم التي ينفذها جنود من طائفته يجبرون الناس فيها على تريد مقولات تؤله بشار الأسد وشقيقه ما كان يثير دهشة واستغراب السوريين حيال نشر وتعميم هذه الفيديوهات والهدف منها. لقد أراد النظام استفزاز القوى السنية لاسيما القوى الأصولية منها لكي يدفعها لإعلان الجهاد والقدوم لقتال النظام ما سيجعل المعركة تتخذ طابعا طائفيا من جهة، ومن جهة أخرى يجعل خطرها على استقرار وأمن إسرائيل في مقدمة حسابات تلك القوى، الأمر الذي سيجعل من سقوط النظام خطرا كبيرا يتهدد أمن إسرائيل والاستقرار في المنطقة.

ولعل ذلك ما يفسر جانبا مهما من التردد العربي إزاء العمل على دعم عملية إسقاط النظام أيضا. النظام الذي استطاع اختراق القاعدة وتفرعاتها بالتعاون مع إيران التي تأوي العديد من قادتها أثناء حرب العراق وما بعدها، هو الذي دفع بتلك الحركات عن طريق عملائه داخلها للقدوم للقتال في سوريا. ويمكن القول أن تنظيم ما يسمى بدولة العراق والشام الإسلامية هو المثال الأكبر، إذ تتجلى مهمته في السيطرة على المناطق المحررة وفرض سلطته التامة عليها وتطبيق أجندته الخاصة، واعتقال الناشطين والكوادر الإعلامية واغتيال قيادات المجموعات المسلحة والجيش الحر خدمة لأهداف النظام، بدلا من قتال قوات الأسد حتى بات الأمر غير قابل للسكوت عليه من قبل حميع القوى المقاتلة.

النظام يستثمر توسع سلطة تلك الجماعات المتطرفة والمعادية للغرب ولإسرائيل لكي يبين لهم نوع البديل المفترض، وأن عليهم أن يختاروا بين السيء والأكثر سوءا. وبغض النظر عن دور الغرب وعجزه عن التدخل القوي منذ بدء الأزمة، فقد أصبحت المعادلة السورية تقوم على هذا الأساس الذي يفسر تردد الغرب حيال دعم الجيش السوري الحر لكي تمكنه من إسقاط نظام الأسد. كما يوضح أسباب اندفاعه للبحث عن تسوية تحافظ عما تبقى من أجهزة عسكرية وأمنية، لكي تكون قادرة على الإمساك بالوضع السوري وتحقيق الانتقال السلمي عبر حل سياسي لا يطيح بجميع أركان النظام، لاشك أن بشار الأسد ليس مهما بالنسبة لها لأن من حمى النظام وضمن لبشار الأسد استقرار السلطة بعد موت الأسد الأب هو هذه الأجهزة، ولذلك فهي تراهن عليها أكثر من رهانها عليه للسيطرة على الوضع الأمني في حال حدوث أي انتقال للسلطة ورحيل بشار وحاشيته الأكثر دموية وإجراما. هكذا يلعب النظام بورقة تلك الحركات المتطرفة، وهكذا ما يزال يزيد من فرص بقائه في السلطة.

كاتب وصحفي سوري

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

العالم الآن

:: اختيارات المحرر