الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

كم رغيفا أكلته سلال المهملات

الفقر ليس مصيرا على بعض البشر دون غيرهم أو نتاج طبيعي لبيئات الدول النامية، بل هو تخطيط مسطر من الأنظمة التي لا تنتعش إلا في ظل تقسيم شعوب العالم.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2015/02/27، العدد: 9841، ص(21)]

كم رغيفا أكلته سلال المهملات وحرمت منه البطون الخاوية، إنها أطنان من الأطعمة تهدرها المجتمعات يوميا، فيما يعجز ملايين البشر عن النجاة بحياتهم من براثن الجوع الذي يقتلهم عاجلا أم آجلا.

تبدو المفارقة عجيبة بين أن يكون مصير نصف الغذاء العالمي القمامة، في الوقت الذي يموت فيه أكثر من 10 ملايين شخص سنويا بسبب افتقادهم للنزر القليل من الطعام. ولكنها الحقيقة المؤسفة، فدول العالم تتلف سنويا ما معدله 1.3 مليار طن من الغذاء الذي كان من المفروض أن يستفيد منه حوالي 2.2 مليار نسمة من الفقراء.

ومن الواضح أن الجهود الدولية للحدّ من الفقر تسير ببطء غير مقبول، كما أن سياساتها التنموية لا تستفيد منها كل البشرية على حد السواء، فعلى الرغم من وفرة الإنتاج الغذائي ما زال الطعام يتصدر قائمة أماني أكثر من مليار شخص في شتَّى أنحاء العالم يتعرضون لصدمات بالجملة جراء الكوارث الطبيعية وارتفاع الأسعار. وما زال نقص التغذية واحدا من أخطر تحديات الصحة العامة، فقرابة ثلث الأطفال في البلدان النامية يعانون نقص الوزن أو التقزُّم، وثلث كل وفيات الأطفال ناتجة عن نقص التغذية.

وتبدو فرص إنهاء الفقر المدقع وإنشاء شبكات أمان لدرء أخطاره، شبه مستحيلة في الوقت الراهن، ليس بسبب ندرة الموارد وإنما جراء عدة عوامل ظاهرة وخفية تقف خلف التوزيع غير العادل للثروات الطبيعية، وتعيق السياسات الرامية إلى تحقيق التنمية المتوازنة بين الموارد الاقتصادية والحاجات الاجتماعية.

وتمثل السياسات الاستهلاكية غير الرشيدة للأسر والمجتمعات الغنية رأس خيط من منظومة كاملة من العوامل المتداخلة والمتناسلة التي لها غاية مشتركة من إشباع بطون حد التخمة، وتجويع أخرى.

إن الفقر ليس مصيرا على بعض البشر دون غيرهم أو نتاج طبيعي لبيئات الدول النامية التي ينخرها الجهل والتخلف وتنعدم فيها الديمقراطية، بل هو أيضا تخطيط مسطر من الأنظمة التي لا تنتعش إلا في ظل تقسيم شعوب العالم إلى تضاريس اجتماعية من أجل إحكام السيطرة عليها.

ويكشف الوضع الاقتصادي العالمي اليوم -الذي تحول إلى مصب سحيق تجري فيه الثروات إلى جيوب الأغنياء ليزدادوا غنى- عن خلل كبير في تمركز رأس المال العالمي، فأكثر من نصف ثروات العالم يحتكرها واحد بالمئة فقط من السكان.

وتقدر ثروة ثلاثة من أغنى أغنياء العالم بما يعادل الناتج المحلي لأفقر 48 دولة في العالم، كما أن ثروة 200 من أغنى أغنياء العالم تتجاوز نسبتها دخل 41 بالمئة من سكان العالم مجتمعين.

وهذا يعني تركيزا أكبر للثروة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عام حين كان العدد 85 فردا من أثرياء العالم. ولو تبرع هؤلاء الأثرياء بما نسبته أقل من واحد بالمئة من ثرواتهم لغطى تكلفة الدراسة الابتدائية لكل الأطفال في العالم النامي.

ويلقي التباين الكبير في الدخل بين الأغنياء والفقراء عبر العالم بظلاله على نوعية المشاكل التي أصبحت تواجهها المجتمعات وتهدد استقرارها، فالتوزيع غير العادل للثروات لم يقف عثرة في طريق مسيرة التنمية فحسب، بل ساهم أيضا في تفريخ شبكات الإرهاب، ولكن أغلب الأنظمة لا تجهل ذلك بل تتعامى عليه.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر