الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

الدكتاتورية والثقافة

أمام هذا الواقع هل يمكن الحديث عن سذاجة المثقف وأوهامه، أم عن محاولة الوقوف في المنطقة الوسطى تجنبا لقمع السلطة وبطشها؟

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/03/01، العدد: 9843، ص(11)]

تمتع اتحاد الكتاب العرب منذ إنشائه في عام 1969 بنوع من الاستقلالية النسبية، التي سمحت لقيادته التي كانت تضمّ أهم الكتاب السوريين، أن تحافظ على قواعد ثابتة في عملها سواء على مستوى سياسة قبول عضوية الراغبين من الكتاب للانضمام إلى الاتحاد، أو على مستوى ما كان يصدره من دوريات أدبية ومنشورات أدبية، جعلته يحظى بقيمة وتقدير واضحين في الحياة الثقافية السورية والعربية، لعل أهم مظاهرها كان انتساب عدد من الأسماء الأدبية العربية المعروفة إلى عضوية الاتحاد.

في المؤتمر العاشر لاتحاد الكتاب والأدباء العرب في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي أصدرت مجموعة من الكتاب السوريين والعرب، من بينهم سعدالله ونوس وسهيل إدريس والطاهر وطار بيانا أدانوا فيه سياسة الاستبداد وتصاعد سياسة القمع في سوريا، كما طالبوا فيه الأنظمة العربية بمزيد من الديمقراطية والحريات، ما أغضب نظام الأسد، الذي كان يستضيف المؤتمر، خاصة وأن البيان صدر في مرحلة كانت سياسة القمع ومصادرة الحريات في سوريا قد تصاعدت بصورة كبيرة، تحت غطاء معركة النظام مع تنظيم الإخوان المسلمين.

حاول التيار اليساري داخل الاتحاد في انتخابات 1980 أن يحافظ على الخط المستقل والمدافع عن حريات الكتاب، من خلال تشكيل قائمة خاصة حازت على ثقة أغلبية الأعضاء، رغم محاولات السلطة المستميتة لإفشال هذه القائمة، ما دفع بالسلطة إلى تأجيل الانتخابات حتى تمكنت من التلاعب بنتائجها عبر الضغط والتزوير، لتأتي بعلي عقلة عرسان وطاقمه الذي كان أغلبه من البعثيين، إضافة إلى بعض “المستقلين” وشيوعيي الجبهة الوطنية المتحالفة مع النظام، ما شكل بداية النهاية لدور هذه المؤسسة وتأثيرها في الحياة الثقافية السورية والعربية.

كانت هذه المحاولة جزءا من استراتيجية النظام لإفراغ كافة المنظمات الشعبية والنقابات المهنية في سوريا من أي مضمون، بعد مواقف العديد من تلك المنظمات الرافضة لتصاعد سياسة القمع وتكميم الأفواه، وهيمنة الأجهزة الأمنية عليها آنذاك. وبذلك تمّ تحويلها إلى هياكل كرتونية تديرها أجهزة الأمن كبداية لتكريس سلطة الدكتاتورية المطلقة، تحت يافطة حزب البعث الذي لم يبق منه سوى الاسم والامتيازات.

بعض الشعراء والكتاب ممن سبقوا وتم رفض قبولهم في عضوية الاتحاد أصبحوا فجأة أعضاء فاعلين فيه، ومن ثم تولى بعضهم مسؤوليات قيادية في مكتبه التنفيذي، بينما تحوّل ع.ع.ع. إلى أسطورة الثقافة السورية، التي تربعت على عرش الاتحاد أكثر من عقدين ونصف العقد من الزمن، حتى تحوّل إلى حاكم مطلق يسبّح أعضاء المكتب التنفيذي والاتحاد بحمده.

بعض الكتاب السوريين ممن فضلوا البقاء في الاتحاد بذريعة مقاومة هيمنة النظام ورئيسه ع.ع.ع.، وانتزاع الاتحاد منهما كانوا يحاولون تجميع قواهم بغية إفشال سياسة الهيمنة تلك، لكنهم كانوا ضحايا سذاجة وألاعيب يمارسها رئيس الاتحاد بالتعاون مع بعض الكتاب الشيوعيين أو المستقلين، كما روى لي أحدهم عن انتخابات 2004 بأن القاصة الفلانية ادّعت التحالف معهم ضدّ قائمة البعث، لكنه ما أن تمّت الانتخابات، حتى فوجئوا بأنها عضو في قائمة ع.ع.ع. التي وزعت على الأعضاء البعثيين والشيوعيين وكتبة التقارير الأمنية. فازت القاصة والروائية لتصبح عضوا في المكتب التنفيذي للاتحاد، بينما لم يستطع أيّ من هؤلاء الكتاب الفوز في تلك الانتخابات.

أمام هذا الواقع هل يمكن الحديث عن سذاجة المثقف وأوهامه، أم عن محاولة الوقوف في المنطقة الوسطى تجنبا لقمع السلطة وبطشها؟ لم تكن هذه اللعبة تزعج النظام بل على العكس كانت تؤمن له مشاركة عدد من الكتاب السوريين المعروفين، وبالتالي تضفي على الاتحاد نوعا من الشرعية، بعد أن فقد جميع أعضائه من الكتاب المؤسسين تقريبا.

ناقد من سوريا مقيم في أبوظبي

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر