السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

إعدام متحف وكلنا آشور

العراق دولة تتجاوز الثلاثين مليون أسير، مكبل بسلاسل التخلف والأيديولوجيات وأخلاق اللصوص وسماسرة الليل وبلادة مناهج الفكر والتعليم والفقر والموت في سبيل موت الآخر.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/03/02، العدد: 9844، ص(9)]

أسرى في مختلف الحروب، مختطفون عند مختلف المافيات، ننتظر الهاتف أن يحمل لنا مساومة لإطلاق سراح، الفدية، ربما ستنجح المفاوضات، ربما لا، ربما قتل الأسير مسبقا، المحاذير، القلق، الخشية من الخطأ، التذاكي والتلاعب ربما تؤدي إلى ضياع الأمل.

أسرى من مختلف الجنسيات، تتورط معهم دولهم، يتحول الصراع إلى سياسة، إعلام، سينما، تقنيات، منظمات إنسانية، رجاءات، لا جدوى. لم يعد الأمر يتعلق بالفدية، الأسرة الصغيرة، العائلة، الأب والأم وبعض الأقارب والأصدقاء، يترقبون، الأمر يتعاظم. رأينا إعدامات لأسرى حروب نظامية وخروقات للمواثيق الدولية، ودخلنا في الاحتلالات من دول كبرى لصغرى، من دول متوسطة لأقل حجما، وتعدى أمرنا إلى تشكيل دول مسلحة بذخائر الثأر والانتقام، مافيات أيديولوجية تكونت من ردة فعل لغياب السياسات الإنسانية في المحافل الدولية، تم ترسيخ جذور عدم الجدوى من الحياة، وتحويل المجرى إلى الانتقال إلى الآخرة.

أعداد كبيرة من المختطفين العراقيين قتلوا على يد عصابات السرقة والابتزاز، وأعداد أكبر قتلوا على يد قوى الظلام والنهار المتفشية في العراق، دولة اللاسيادة، واللااستقلال واللاقانون، دولة أسيرة وقعت بيد أيديولوجيا التعصب الحزبي وهي أسيرة لمفاهيم لا علاقة لها بالتحرر، وتحكمت بمصيرها زعامات منفردة وعوائل ساذجة وشخصيات تنطبق عليها أمراض “السايكو”، ثم وقعت أسيرة المذاهب، وذهبت أسيرة لحروب الانتماء للوطن أم للمذهب وخرجت من حرب لتقع أسيرة لحروب الاقتصاد وتضخم العصا في عقل الحاكم.

والأسرى الفعليون من الحروب بعضهم مازال بيد الجارة الشرقية، ثم وقعت البلاد أسيرة تطويق العصابة الدولية، ولم يفك عنها الأسر وسقط المواطنون المختطفون في شرك العقوبات، ومات الكثيرون ونفقت الأرواح كالدواجن دون أن يرف جفن أولبرايت وقادة البيت الأبيض أو الكرملين، بعدها أكلت الحرة ثديها واللاحرة أكلتها الذئاب وتفرّقت العائلة ووقعت أسيرة احتلال مباشر من أميركا وزبانية أسلحة الدمار الشامل، وتم إعدام المؤسسات، وأطلقت النار على الجيش وذهب أسيرا ولم يطلق سراحه، واستبيحت الحدود، وسقطت أسيرة اللاحياء في الوجوه، وتبارى شذاذ الآفاق في الطعن بأسراهم ومزقوا جسد البلاد وزرعوا مفخخات التقسيم المذهبي والعرقي، ولوّحوا بتفصيل المقاطعات على واقع الترهل وتمددوا في كل اتجاه وتجاوزوا شيطانهم الأميركي، ونسجوا من ميليشياتهم دولة كانت طرفا في لعبة جر أطراف الأسير، مع دولة أخذت طرف الموصل انتزعته تحت سمع وبصر العالم.

اليابان، تحول مسار أمة من أجل أسيرها المذبوح، والعالم يهتز لإعدام لطيار أسير، والتظاهرات تندلع “كلنا شارلي” لإعدام أسرى جريدة، العراق دولة تتجاوز 30 مليون أسير مكبل بالتخلف والأيديولوجيات وأخلاق اللصوص وسماسرة الليل وبلادة مناهج التعليم والفقر والموت في سبيل موت الآخر.

منذ أن وقعت الموصل أسيرة، العالم يتفرج على “خلف ابن أمين” الأميركي الذي قايض الكيمياوي وأمن إسرائيل بحياة شعب، واستعاض بميليشيات النووي في مفاوضات إطلاق سراح الأميرة الآشورية، سبعة آلاف عام تصرخ منذ أشهر من أسرها، وهم يتحدثون عن أمد، وطيور تحالفات، ودم أسير سيطلق دم أسير، بعدها تم إعدام الأثر الإنساني.

صديق أكبر مني سنا التقيته في الثمانينات، حدثني عن طفولته في أحد مدن العراق، وكيف كان “المستر” ومن معه يوفّرون العمل في حفر الأرض في الثلاثينات، الحفر، لا شيء سوى الحفر، وعندما يصلون إلى التحف الأسيرة، يتوقفون ويطلقون سراح العاملين، قال لي نقلا عن أبيه: يضعون الجن والسحر في الصناديق ويذهبون بها. توليفة تناسب الفقر وسب ولعن الاستعمار.

من السبعينات وتصوير فيلم “التعويذة” في الموصل، ومع اللعنة الآشورية التي نقلها علماء الآثار إلى أميركا، وخوف الأميركان من دربونة “الطناطلة” تم التحشيد لكسر الخوف واحتلال العراق ثم الفرار أمام الثور المجنح، الذي فُكّت طلاسم تعويذته من قبل مختطفي العراق الجدد بعد 2003. ما حدث من تدمير لمتحف الآثار في الموصل وتهديم الثور المجنح، أعاد تقييم قناعاتي حول الاستعمار القديم ونقل الآثار إلى المتاحف العالمية.

حسنا فعل الآثاريون بإبقاء الأرض متحفا لآثار حضارات وادي الرافدين إلى أجل غير مسمّى، لأن ما فوق الأرض آثار بائدة. ترى ماذا سنترك من آثار بعد آلاف السنين؟

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر