الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

أيها القضاة: 'أحكامكم' ليست باسمنا

القوى السياسية، من اليمين الديني إلى أطياف التيارات المدنية، أخطأت في التهاون بإحالة مبارك ورموز حكمه من القتلة والفاسدين إلى محاكمات عادية.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/03/03، العدد: 9845، ص(9)]

مقدمة أولى: من الحقائق التاريخية أن رجال القضاء ورجال الدين أكثر ضيقا بالتغيير، وأشد عداء للثورات، نظرا لاستفادتهم من أي وضع قائم، وكثيرا ما تواطأ الطرفان على تكفير رسل التغيير ودعاته، فتسارع السلطة إلى القتل والحرق، أو تتغاضى عن ارتكاب الغوغاء للجريمة، ثم يتأخر الاعتذار عنها بضعة قرون. لا تختلف مصر ما بعد 25 يناير عن روما القرون الوسطى. لو وجدت استثناءات لقضاة فرادى، ورجال دين فرادى، فهي تؤكد القاعدة. ولهذا تدهشني ديباجة خالية من المعنى، يصر عليها القضاة قبل النطق بالأحكام، ولا أدري ضرورتها القانونية “باسم الشعب”.

مقدمة ثانية: نحن أسرى مأثورات أكثر خلوا من المعنى، تحكمنا وتدفع كثيرين للتسليم، أو على الأقل إلى شراء الدماغ وتجنب الجدل. من المأثورات الدينية “أهل السنة والجماعة”، “الإجماع أحد مصادر التشريع الإسلامي”، “المعلوم من الدين بالضرورة”. وتوجد مأثورات تكاد تصير دينا بأمر القضاة أو بحكم الأمر الواقع “لا تعليق على أحكام القضاة”، “الحكم عنوان الحقيقة”.

شعار “لا تعليق على أحكام القضاة” يُعلي شأن حكم بشري على القرآن الكريم نفسه، النص المقدس الذي تختلف تأويلاته باختلاف الأزمنة، وباختلاف المجتهد نفسه لو انتقل من سياق جغرافي وحضاري إلى آخر. هذا الشعار يجعل الحكم القضائي البشري نصا مكتفيا بذاته، يرهب من يقترب ويسعى إلى الفهم، ولا يبدأ الفهم إلا بالتعليق، وهذا يضعنا في مواجهة مع الشعار الثاني “الحكم عنوان الحقيقة”، وهو أقرب لإرهاب نفسي لمن يجرؤ على التطاول، فيحاول معرفة “عنوان الحقيقة”، وهو ليس عنوانا ولا حقيقة، لوجود درجات تقاض عليا تنقض الحكم الأول وربما تنسفه. وقد رأينا كيف اطمأن ضمير القاضي أحمد رفعت، يوم 2 يونيو 2012، إلى الحكم على المتهم “محمد حسني مبارك بالسجن المؤبد عما أسند إليه من الاتهام بالاشتراك في جرائم القتل المقترن بجنايات القتل والشروع في قتل أخرى، وبمعاقبة حبيب العادلي بالسجن المؤبد عما أسند إليه من الاتهام بالاشتراك في جرائم القتل والشروع بالقتل في جرائم أخرى”. وقالت المحكمة في حيثيات حكم، لم يشف غليل ضحايا الثورة وجرحاها، إن المتهمَيْن “امتنعا عمدا عن إيقاف قتل المتظاهرين حماية لمنصبيهما، ذلك الإحجام والامتناع قد أوقعا في يقين المحكمة أن المتهميْن قد اشتركا مع مجهولين بطريقة المساعدة في ارتكاب جرائم القتل العمد والشروع فيه قاصدين من ذلك إزهاق روح وإصابة المجني عليهم”.

الحكم السابق صدر في حمية الثورة، صيف 2012، بعد قيام النائب العام بإحالة مبارك إلى محكمة الجنايات بتهمة “قتل المتظاهرين”. وحين جاء خريف الثورة قال قاض اسمه المستشار محمود الرشيدي للمتهمين أنفسهم، يوم 29 نوفمبر 2014 “عودوا إلى مقاعدكم” ومنحهم البراءة. فأي حكم للقاضيين يمكن التسليم بأنه “عنوان الحقيقة”؟

مقدمة ثالثة للدلالة على أن القضاة بشر يأكلون الطعام ولهم نوازع ضعف، في كتابها “صورة لمصر”، تسجل الكاتبة الأميركية ماري آن ويفر قول حسين أحمد أمين لها “إن الفكر المتأسلم تمكن من اختراق أعلى مستويات في النظام القضائي المصري”، وأن الأيدي السعودية لا ترى بوضوح في الأزهر فقط، بل في صناعة السينما ودور النشر والمساجد، وأن هناك أعدادا متزايدة من القضاة يريدون أن يظهروا بمظهر الطهارة في أعين السعوديين أملا في العمل هناك، وبعض القضاة “تتم السيطرة عليهم وتوجيههم من الأزهر. إنها دورة؛ تتدفق الأموال السعودية على الأزهر لدراسة أحكام الشريعة الإسلامية، وبالمقابل يجلس خريجو الأزهر على المنصة المصرية وهم في حالة ازدراء للقانون المدني العلماني. وهناك قضاة يبدأون إجراءات التقاضي في محاكمهم بالتعبير عن امتعاضهم واستيائهم، بأنهم سيضطرون إلى تطبيق قوانين صنعها الإنسان”.

مقدمة رابعة: أخطأت القوى السياسية، من اليمين الديني إلى أطياف التيارات المدنية، في التهاون بإحالة مبارك ورموز حكمه من القتلة والفاسدين إلى محاكمات عادية. الثورة قطيعة مع ما قبلها، مجازا أو حرفيا بقطع رأس الدكتاتو، ومحاكمته بعيدا عن قوانين سنها ترزية نظامه لكي تبرئهم عند اللزوم. ولا أفهم كيف يسمح ضمير القاضي الرشيدي بتحويل محاكمة مبارك والمتهمين بالقتل، في قضية جنائية لا سياسية كما أراد قاض زميل هو النائب العام، إلى محاكمة لثورة 25 يناير، واتهام من شاركوا فيها بالعمالة، دون أن توجه أصابع الاتهام لمبارك ووزير داخليته بالتقصير، مرة باختراق عناصر أجنبية للبلاد بيسر أقرب إلى الإهمال والتواطؤ، وأخرى بتعمد قتل المتظاهرين في ميدان التحرير ومنطقة وسط البلد وهي تخلو من مراكز للشرطة، وهكذا تسقط حجج من يدعي أن القتلة كانوا يدافعون عن أنفسهم أمام زحف الغاضبين على أقسام الشرطة. يسجل كتاب “شهداء ثورة 25 يناير” أسماء 551 شهيدا في جمعة الغضب، من بين 841 شهيدا خلال 18 يوما.

مقدمة خامسة: ما أؤمن به وأثق هو الحديث النبوي “لا يقضي القاضي وهو غضبان مهموم”. ولا أجد تفسيرا لعبوس كثير من القضاة وتطاير الشرر من أعينهم، كأن بينهم وبين المتهمين ثأرا أو خصومة شخصية، ثم تصدر الأحكام “باسم الشعب”. هناك أحكام مسخرة، تضحك الجميع باستثناء قضاة حرمهم الله نعمة المرح وفضيلة التواضع والجهل بغيرة البريء صاحب الحق حين يفاجأ بحكم جائر، فيصفق أو يعلق بما ذكره القرآن “لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم”، فينتقم القاضي لما يحسبه إهانة بالضربة القاضية. ولم يفعل الصبي ياسين (17 عاما) أكثر من حقه في ممارسة غضب تلقائي ردا على قول القاضي “أنت متهم بالاعتداء على 40 من الشرطة، وأحدثت بهم إصابات”، فعلق الصبي “أحا”، وهي كلمة تفيد الدهشة. فانفعل القاضي ونطق بحكم فوري بالسجن ثلاث سنوات. إذا كان “القضاة” كذلك، فلا اندهاش من تحول مراكز الشرطة إلى سلخانات لتوريد القتلى.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر