السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

'العاصمة الرديفة' في استراتيجيات التدبير الإقليمي

عندما تستغني الأمة عن مشروعها الجامع المانع تصبح مطمعا ومطمحا لكافة المشاريع التوسعية من العثمنة إلى الصهينة ومن الأمركة إلى الحوثنة.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/03/03، العدد: 9845، ص(8)]

كيانات سياسية فاشلة بعواصم متفرقة ومتشرذمة ومتناحرة، هو المشهد العربي الحالي في زمن الميليشيات حيث تتفكك مركزية السلطة وتتفتت شرعية الدولة بين عاصمة أصليّة تعيش تحت نير “سلطة الواقع”، وعاصمة “رديفة” تحمل مشروعا معارضا للأولى، وتملك جزءا من الشارع وتمتلك أشياء من قوة الشعار الثوري.

العاصمة الرديفة في الواقع العربي الراهن هي نتاج عجز الطبقة السياسية العربية عن تشكيل مشروع سياسي وطني جامع، وهي إفراز التقاطع التناقضي الإقليمي والدولي في الجغرافيا العربية، وهي أيضا محصلة “تحويل” الأقطار العربية من “لاعبين” سياسيين، إلى ملاعب للمكاسرة الإقليمية.

ولعلنا لا نجانب الصواب إن اعتبرنا أنّ نموذج الكيانات الفاشلة العابر للأقطار العربية يتأسس على “تعدد” العواصم و”كثرة” الشرعيات، الحقيقية منها والمزعومة.

من اليمن السعيد الشهيد، المتفرق بين صنعاء “المغصوبة حوثيا” و“عدن” غلس المشروع الوطني، إلى ليبيا الباحثة عن حوار واستقرار بين “طرابلس” عاصمة “المؤتمر السابق و“طبرق” عاصمة البرلمان المنتخب، وليس انتهاء بالعراق المتشرذم بين سلطة بغداد وحكومة أربيل في الشمال الكردستاني. ارتسامات بالجملة ذات خيط سياسي ناظم وحيد معيد لترتيب الفضاء العربي وفق استحضار لخرائط ما قبل الدولة الوطنية.

الخطير في مشروع “إسقاط الدولة عبر ضرب عواصمها” أنّه لبنة تكميلية لبناء يبدأ من “إسقاط الدولة بضرب هوياتها الداخلية بعضها ببعض” ويمر بالضرورة عبر الإطاحة بالدولة وباستحقاقات الإصلاح من خلال فوضى سلاح المؤسسات العسكرية والأمنية الأصلية منها والرديفة لها أيضا.

في هذا المفصل التفسيري نفهم أسباب تضمين “الدساتير المعلبة” لدول ما بعد “الثورة” (الدستور الليبي واليمني) ولأقطار ما بعد الاحتلال (العراق تحديدا)، لنصوص “الفدرلة” وبنود “الأقاليم” كمقدمات للتقسيم الهيكلي وديباجات للانقسام الاجتماعي والسياسي والثقافي.

وهي كلها ممهدات لشرعنة تشكيل “الدولة الرديفة” ومأسسة العواصم البديلة في الجسم العربي، وما كان لها أن تستنبت في البيئة العربية في حال وجود مشروع وطني جامع، وأفق قومي “مجمّع” لشتات سياسي وقُطْري ضيّق.

ألم تعمل تركيا أردوغان بكافة مؤسساتها على تقسيم سوريا عبر بوابة “العاصمة الرديفة” في حلب، وهربت كافة إرهابيي العالم إلى الشام قصد “فرض سلطة أمر واقع” في الشمال السوري تكون “حلب” عاصمته، وبعد أن عجزت تعاملت مع مدينة الرقة المحتلة من تنظيم داعش الإرهابي كسلطة مركزية سهلت لها الدخول إلى ضريح السلطان العثماني سليمان شاه وإجلائه إلى داخل التراب التركي.

في المقابل، دعمت إيران رسميا الحركة الحوثيّة لتعزيز مدينة صعدة الشمالية عاصمة رديفة في اليمن أثناء التمرد الحوثي، قبل أن تتبنى طهران بشكل كامل السيطرة على العاصمة صنعاء والانقلاب الحوثي على الدولة اليمنية.

بنفس الرؤية والمقاربة عملت إسرائيل على “الترويج” والتأسيس لـ”جوبا” كعاصمة رديفة في السودان قبل الانقسام الفعلي في مستهل 2011، وتمكنت المنظومة الدعائية والسياسية والاستراتيجية الإسرائيلية، بتوظيف ذكي للأخطاء الكارثية لنظام البشير، من تحويل العاصمة الافتراضية إلى شبه دولة رسمية مبنية على “هوية جامعة مزيفة” سرعان ما انفرطت عراها ودخل أبناؤها غير الشرعيين في حروب الميليشيات والشرعيات.

ليس من الغريب أن تعمل تركيا أردوغان وإيران الملالي وإسرائيل، الدولة الوظيفية لأميركا، بذات التفكير الاستراتيجي القائم على “العاصمة الرديفة والدولة الضعيفة”، وليس من العجيب أيضا أن تتكاثر السلطات الهجينة الوكيلة للدول الكبرى الأصيلة في الجسد العربي المحتضر، وأن تعود الشعوب العربية إلى زمن ما قبل “الدولة”، فعندما تستغني “الأمة” عن مشروعها الجامع المانع تصبح مطمعا ومطمحا لكافة المشاريع التوسعية من “العثمنة” إلى “الصهينة” ومن “الأمركة” إلى “الحوثنة”.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر