الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

حرب الهويات

ما حيلة المحايدين الذين يريدون أن يعيشوا في سلام وفي حل من كل الصراعات الطائفية، الأكيد أنهم سيكونون مشروع قتل سهل للميليشيات.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2015/03/06، العدد: 9848، ص(21)]

تكاد موجة تغيير الأسماء تجتاح العالم بأسره، فالتايوانيون يغيرون أسماءهم من أجل جلب الحظ، أما المهاجرون العرب إلى الدول الغربية فيغيرون أسماءهم، لأنها أصبحت تشكل عبءا ثقيلا عليهم، خاصة بعد تفجيرات سبتمبر 2001 التي أدت إلى تنامي الخوف والكراهية للمسلمين.

واللافت للنظر اليوم في المملكة المتحدة أن محمد هو الاسم الأكثر شيوعا، بالإضافة إلى أن عائلة من كل عشرة عائلات في إنكلترا تنجب مسلما، إلا أن ذلك لم يجهض ظاهرة “الإسلاموفوبيا” الآخذة في التنامي، والتي شكلت سببا مباشرا في حرمان الكثيرين من فرص الحصول على وظيفة، والأمر نفسه يحدث في هولندا وفرنسا وإيطاليا والسويد وسويسرا، وفي العالم بأسره.

إن الاسم، وإن كان لا يعكس الجوهر الحقيقي لصاحبه، إلا أنه يمثل علامة فارقة ومؤثرة في حياة الكثير من السعوديين، وخاصة جيل الشباب ذكورا وإناثا، فبالنسبة إليهم مهما تكن غاية ومرجعيات أسرهم في اختيار تسمياتهم، فهم عازمون على تغييرها بما يتماشى والموضة ويستقيم ومعايير الجمال للعصر الحالي.

ولكن تغيير الأسماء في العراق ليست ظاهرة اجتماعية أو خيارات فردية، بقدر ما هي مسألة حياة أو موت، فالأسر التي أطلقت على أبنائها أسماء مثل أبي بكر أو عمر أو عثمان أو سفيان تعضّ على أصابعها اليوم لأنها تظن أنها جنت على أبنائها.

وفي ظل تزايد نفوذ الميليشيات الإيرانية وعجز الحكومة عن كبح جماحها، ارتفعت وتيرة الخوف من تفشي ظاهرة القتل على خلفية الهويّة، خاصة بعد تواتر بعض الأنباء عن وجود جثث ملقاة في الشوارع تحمل دلالات تصفيات طائفية.

وتؤكد الإحصائيات ارتفاع معدلات القتل في العراق بنسبة 20 بالمئة خلال الأسابيع الأخيرة، ومعظم الضحايا ساعدت أسماؤهم في تفسير سبب قتلهم.

ويعتبر اسم “عمر” الأكثر استهدافا على الإطلاق، لذلك تقدم مؤخرا حوالي 3 آلاف مواطن في بغداد يحملون هذا الاسم بمطالب لوزارة الداخلية لاستبداله بأسماء تضمن لهم البقاء على قيد الحياة.

لقد أصبح هذا الاسم بصفة عامة عبارة عن “تهمة” خطيرة في بغداد، وحامله لا يمكن أن ينجو من القتل إما آجلا أو عاجلا، ويبدو أنه لم يعد هناك خيار آخر أمام العراقيين غير حمل أكثر من هويّة شخصيّة وأسماء وألقاب مختلفة حتى يستطيعوا التمويه عن انتماءاتهم المذهبية أو تعلم أكثر من لهجة تحسبا للخطر الذي يتربص بهم في منعطف كل طريق.

أما العائلات في بغداد التي تتعايش فيها الطائفتان الشيعية والسنية جنبا إلى جنب فاتجهت نحو اختيار أسماء محايدة وأكثر أمنا لمواليدها الجدد، مثل أحمد أو محمد التي يستخدمهما كل من الشيعة والسنة، وذلك من أجل ألا يعيد التاريخ الدموي نفسه في العراق، ويتخلصوا من شبح العنف الطائفي لسنتي 2006 و2008 التي بدأت صوره البشعة تتجدّد أسبوعيا إن لم نقل يوميا.

ولكن ما حيلة المحايدين الذين يريدون أن يعيشوا في سلام وفي حل من كل الصراعات الطائفية، الأكيد أنهم سيكونون مشروع قتل سهل للمليشيات التي أكلت الأخضر واليابس وما زالت عازمة حصد المزيد.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر