الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

لعبة الكيمياوي بين إبادة وأخرى

الأسئلة تتوجه إلى القادم على أرض العراق، وكل الخوف أن تلقي الأطراف المتنازعة في معارك الموصل المقبلة، طوق النجاة لمن ألقى بالكلور ضد المدنيين في سوريا ليتخلص من عواقب جرائمه.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/03/06، العدد: 9848، ص(8)]

أوردت مصادر عسكرية عراقية في تصريحات لها أن غاز الكلور السام تم استخدامه في أحداث الصقلاوية أيلول الماضي، وبذلك عاد السلاح الكيمياوي مفردة متداولة في الإعلام أو الأرض أو الصراع، وبعد أيام قليلة نفت الخبر وحجمت من تأثيره وقللت من أهميته، لكنها لم تنفه كليا.

وحليمة الأميركية وتوابعها من (الحليمات) المحلية، تعود إلى نغمتها القديمة وذرائعية تدخلها، فالسلاح الكيمياوي كان الحجة، وحتى لا يصاب أحدهم بالصدمة من كلمة الحجة، نبدلها بالعذر الذي استخدمته أميركا في احتلال العراق، ثم تبين كذب الكذبة وتداعياتها في التخريب والتدمير، وبعدها إشعال المنطقة بالأزمات والتداعيات المعروفة.

وكنت تناولت مخاطر استخدام السلاح الكيمياوي في تمرير غايات السياسة على أجساد آلاف الضحايا من الأبرياء. وغاز السارين كان مثار اهتمامي، قبل ضربة الغوطة الشامية، ثم وقعت المجزرة.

وبين إبادة وأخرى، صدرت القرارات الدولية بإتلاف الكيمياوي السوري وإطلاق سراح استخدام أسلحة الإبادة الأخرى، وغض العالم الطرف عن آلاف الضحايا وتوارت التحقيقات الدولية حول الاستخدام ومرتكبيه إلى إخلاء سوريا من السلاح الكيمياوي.

لكن سرعان ما عاد غاز الكلور إلى الاستخدام، وقد يظن بعضنا أن إلقاء الكلور عمل خيري تنفذه الطائرات لقلة الملح في عيون الشعب الذي لا يحمل الوفاء إلى حكومته ويدها البيضاء، والحكاية أن الكلور حقاً يستخدم في تصنيع ملح الطعام واستخدامات حياتية متعددة منها أنه يبيّض الأقمشة ويبيد الجراثيم وينقي المياه ويعقمها، وله أغراض علمية أخرى، وقد يخشى أحدكم الذهاب إلى حمامات السباحة لأنهم يضعون فيها الكلور بنسب معينة، على الرغم من أنني تأثرت في يوم سعيد مع أحبائي في صيف بغداد بكميات الكلور الكبيرة ومن دون حساب لغياب علمية الاستخدام.

المهم الكلور هو الكلور نفسه في المواد المطهرة والصناعات الورقية، ومن أعراضه، مشكلات في التنفس وخاصة للأطفال وكبار السن.

وما يلفت رأس مقالتنا إليه هو استخدامه سلاحاً كيمياوياً، لإيقاع أكبر الخسائر في الطرف الآخر من الصراع، وللذاكرة نؤكد إن أول استخدام لغاز الكلور سلاحاً حدث في الحرب العالمية الأولى يوم 22 أبريل 1915 قرب مدينة (إبيري) البلجيكية، عندما أطلق الجيش الألماني الغازات بكميات كبيرة من إسطوانات مخزونة في الخنادق باتجاه القوات الفرنسية، وهو غاز أصفر يميل إلى الإخضرار، ويعد من أوائل الاستخدامات الكيمياوية في الحروب قبل تطورها إلى أسلحة شاملة وفتاكة، وتاريخ العالم والعراق لا يخلو من مآسيه، ولذلك تملك معظم جيوش المنطقة منظومة عسكرية متخصصة في تفادي آثار الضربات الكيمياوية أو التقليل من مخاطرها، وهناك من الأسرار في حياتنا العسكرية على مستوى القيادات أو الجنود أضحت ذكريات لن تغيب عن بالنا رسختها المخاوف من استخدامها.

نعود إلى التصريح وفداحة الخطأ في تناوله بصفة مرتبكة بين تأكيد ثم نفي، وبعدها تحجيم وعدم إلغاء. شخصياً، أشدد على تحذيري من تفاقم أو تكرار فكرة الإيقاع بالآخر واتهامه باستخدام السلاح الكيمياوي مهما كان محدوداً، لأن الأحداث الماضية وبالذات أيام الاستخدام السوري لغاز السارين والاتهامات المتبادلة بين الجيش النظامي وقوات المعارضة وعدم حسم النتائج بالتحقيقات الدولية والاكتفاء بالإدانة وتوجيه الدفة إلى التخلص من السلاح، ثم إلقاء القبض على مجموعة في العراق قيل عنها إنها تصنع السلاح الكيمياوي لأغراض عسكرية، وفي شريط متلفز ظهرت معدات نظيفة ومصنعة حديثا “تلمع”، أما وجوه الشبكة من المتهمين فكانت مقنعة “مثل قناع جيم كاري”، وهذا أعطى انطباعاً إن الأمر لا يعدو كونه عملا استخبارياً وأساليب غاياتها وإراداتها تحتمل التأويل متعدد الأوجه.

ولهذا فإننا ننبه إلى أن معاودة ظهور الممثل الكيمياوي في العراق على وسائل الإعلام سيحوله إلى حقيقة ويشرعن استخدامه على الأرض لإرغام الدول الكبرى أو مسايرة الدول الكبرى وبالذات أميركا، لتمرير وجودها على الساحة العراقية والإقليمية بمظهر المنقذ وبطل النهايات الكاذبة بوش، الذي ارتدى “البوشية” خجلاً من كذبته وتسويقها في مجلس الأمن الدولي ثم شن الحرب واحتل العراق. لكن النظام الأميركي لا يخجل لأنه، فعلاً، يخطط بدراية وعن قصد ولذلك نحن ندين الكذب المتعمد وليس الخطأ في التشخيص.

هكذا تاريخ لن يخجل من صنع جرائم الإبادة بالإنابة وقتل الأخ لأخيه، لكن ما سبق كله لا يمنحنا الفرصة للتحليل فقط، بل في التحذير الشديد من إدخال لعبة الكيمياوي، وهذه المرة الكلور كسلاح تصفيات على أرضنا العراقية لتعود الاتهامات بين الأطراف، والمحصلة خروقات كبيرة وإبادات تهدد شعبنا.

في عالمنا الساقط أخلاقياً تنتفي الحاجة إلى توجيه الاتهامات إلى أميركا وذيولها والمشاريع الإقليمية في تفتيت أمتنا إلى مجرد خنادق مذهبية متصارعة على السلطة، وإقامة دول طائفية تهدد بمشروع أخطر من الصراعات المحلية والإعلامية في الفضائيات وميولها الدينية والطائفية، إلى صراعات وحروب دول وإبادات مختلفة، ستنتج عنها بلدان أكثر ضعفاً وتمزقاً تعميقاً للخلافات الشكلية وتقديساً لحكايات الكراهية والفتن وترسيخها موروثاً مقدساً، وتحضرني الفرقة الناجية من السبعين فرقة، التي لا أظنها ستنجو أيضاً مهما كان مصدرها.

الكلور، في الطعام، في المياه، في التعقيم، في الصناعة، ممكن أن يكون مفيداً، لكن سينقلب إلى وحش على الأرض إذا توجهت الأنظار إليه وبدأ يراوغ ويمرر ألاعيبه في اللعبة المحلية والدولية وسيسجل أهدافاً في مرمى الأبرياء.

لا أدري لماذا يتناهى إلى سمعي أحد السفهاء وهو يقول في أذني “إن أسلحة النظام السابق تم العثور عليها، وكانت مخبأة في أماكن لا يعرفها سوى الإرهاب”.

أميركا والكلور، هذه المرة، تقدم مشروع قرار إلى مجلس الأمن لإدانة النظام السوري لاستخدامه غاز الكلور ضد معارضيه، الأسئلـة تتوجه إلى القـادم على أرض العراق، وكل الخوف أن تلقي الأطراف المتنازعة، وبالـذات في معـارك الموصل المقبلة، طوق النجاة لمن ألقى بالكلور ضد المدنيين في سوريا ليتخلص من عواقب جرائمه.

وربما جاء الإعلان عن مشروع القرار الأميركي تبريرا لإطالة أمد البراميل المتفجرة، أو أمد النظام السوري، أو لفت انتباه لتوجيه دفة الصراع في العراق إلى مطبات لعبة الأمم وألاعيب الحكومات المحلية التي تشبه حليمة دائما.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر