الثلاثاء 12 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10840

الثلاثاء 12 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10840

لماذا لا يغطي الرجال عورتهم؟

'ارتداء النقاب فيه إهانة كبيرة للمرأة، ليس لأنه يلغي ملامحها فقط بل لأنه يقصي حقوقها ودورها داخل مجتمعها'.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2013/09/26، العدد: 9332، ص(21)]

منظر غريب شد انتباهي في المترو الخفيف بمحافظة أريانة بالبلاد التونسية، لشاب وفتاة في الثلاثين من العمر جلسا أمامي في نفس العربة..

الفتاة كانت موشحه بالسواد من رأسها إلى قدميها، حتى عينيها كانت تحجبهما بنظارات سوداء، في حين كان الشاب يطلق لحية كثيفة ويرتدي سروالا قصيرا من نوع الجينز وقميصا مضغوطا على جسده ويحمل "آي فون" بيده، ويتحدث عن الدين وتعاليم الإسلام ويبالغ في إقناع الفتاة بعدم التخلي عن النقاب لأنه على حد تعبيره فرض على المرأة، ويذكرها من حين لآخر بأن السافرات فاسقات، لأنهن يبدين زينتهن ويثرن غرائز الرجال، ومن وجهة نظره مصيرهن النار في حين أن مصير المنقبات الجنة.

هذا المشهد الذي لم أعهده سابقا في تونس جعلني في حيرة من أمري، وأثار بداخلي خوفا كبيرا على مستقبل المرأة التونسية، وصورتها الناصعة في العالم، وأدوارها البطولية والريادية في مختلف المجالات، في ظل هذا الاجتياح الكبير للفكر التشددي وسيطرته على عقول الشباب.

لست أدري لماذا تجبر المرأة على ارتداء هذا الكيس الأسود المسمى بـ"النقاب" الذي يغطيها من رأسها إلى قدميها، فيما لا يغطي الرجل رأسه أو وجهه، ويتبرج بملابسه ويظهر تضاريس جسده؟

ألن تشعر المرأة بالفتنة من مظهره، وتتحرك رغباتها الجنسية كما هو الحال عند عديد الرجال الذين يعيبون على المرأة، وعلى ما ترتديه ويجبرونها على كتم أنفاسها بملابس لا تجد فيها راحتها الجسدية ولا النفسية في حين يرتدون هم ما يجسد عوراتهم ويظهر مفاتنهم؟

صراحتي في طرح هذه الأسئلة قد يعتبرها البعض جرأة وقد يراها البعض الآخر وقاحة، ولكني أعتبر إهمال الإجابة عليها إجحاف بحق كل امرأة واستهتار بمشاعرها ورغباتها لاسيما اليوم في مجتمعات تدعي التدين في حين أنها تنتهك كل تعاليم الإسلام بإجبارها الفتيات الصغيرات على ارتداء الحجاب والنقاب.

أي فتنة بربكم يحمل جسد فتاة صغيرة، إلا إذا كنا نعيش في مجتمع من الحيوانات الكاسرة لا يأبه سوى للأكل والشرب والجنس؟

إن ارتداء النقاب فيه إهانة كبيرة للمرأة، ليس لأنه يلغي ملامحها فقط بل لأنه يقصي حقوقها ودورها داخل مجتمعها، ويجعلها مجرد وعاء لتفريغ الشهوة وإثارة الفتنة، وفيه أيضا تحقير كبير لمعشر الرجال الذين أصبحوا من هذا المنظور المغالي في التحقير من قيمة المرأة، مجرد حيوانات مفترسة لا تثيرهم في الحياة الدنيا سوى غرائزهم الجنسية المتكالبة، التي لم يجدوا حلا لها سوى تغطية جسد المرأة، بثياب سوداء وحجب جمالها وإقصاء شخصيتها.

اليوم يحاول هؤلاء المتشددون الترويج لفتاويهم الكاذبة، بخطبهم الرنانة ذات الأبعاد الازدواجية، في محاولة منهم لاستمالة مشاعر الناس عن طريق تلوين أحاديثهم بالآيات القرآنية والأحاديث السنية، ونعتهم لمنتقدي بدعة النقاب التي برزت بقوة بعد مسمى الربيع العربي، بالزندقة والإلحاد رغم أنه كان من المفروض أن تكون عقول هؤلاء الذين يدعون في الدين علما، أرفع من أن يختزلوا تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف في خرقة سوداء بالية. إن هؤلاء المرتزقة الذين يتاجرون بالدين الإسلامي، من أجل الوصول إلى مطامعهم السياسية عن طريق إعماء عقول البشرية عن نواياهم الحقيقية، ومحاولتهم الترويج لعادة وهابية، بهدف ضمان الدعم والتمويل المادي لجماعاتهم الإرهابية، التاريخ وحده يشهد على الماضي الملطخ بالدماء لهذه الجماعات الإسلامية المتشددة، التي تحاول إيجاد وسيلة للتغلغل بين الناس، وحشد أنصار لها من أجل كسب مزيد من النفوذ السياسي، وبناء أمجاد كاذبة على إنقاذ أحلام شعوب متعطشة للحرية.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

العالم الآن

:: اختيارات المحرر