الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الحرب على داعش والبعثيين في العراق

مواقف العبادي بشأن البعثيين وفتح النار مجددا عليهم، لا تخدم المعركة ضد داعش، كما أنها تغلق الأبواب أمام محاولات المصالحة.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2015/03/09، العدد: 9851، ص(9)]

أغلق رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الأبواب أمام أي مصالحة مع حزب البعث، مؤكدا أنه “لا مصالحة مع حزب البعث”، ووصفه بأنه “حزب متآمر ولا ينفع الحوار والمصالحة معه”. جاءت هذه التصريحات في ظرف دقيق يمّر به العراق، حيث يتطلب حشد جميع قوى الشعب العراقي في معركة طرد داعش. كما تأتي هذه التصريحات في وقت تقلّب فيه أوراق قانون المساءلة والعدالة الجديد بين مجلس الوزراء والبرلمان بعد تمريره عبر هذا المجلس دون موافقة ممثلي العرب السنة. وسارع حزب البعث في العراق إلى إصدار بيان بعد ساعات من تصريحات العبادي رفض فيها تلك الاتهامات، وقال بأنه تنظيم وطني استبشر بدعوات لمصالحة الوطنية التي انطلقت في عهد العبادي.

المبررات المباشرة لهذه الحرب المفتوحة ضد البعثيين التي أوضحها العبادي في بيانه، هي أنه “حزب متآمر ومتحالف مع داعش” ولا مكان له في العراق، مستثنيا من العقوبات الجماعية بعض البعثيين الذين تعاونوا مع وضع ما بعد عام 2003 وتبرؤوا من البعث حسب تعبيره.

في ذات السياق التصعيدي ضد البعثيين تتم حاليا إجراءات تشريع قانون الاجتثاث الجديد حيث سيشمل “حتى مستويات الأعضاء، وتنتقل العقوبات إلى الأبناء والأحفاد”. أما المبررات غير المباشرة فهي شعور القوى الشيعية الحاكمة بأن البعث، فكرا وتنظيما، هو معاد لحزب الدعوة الحاكم ومن معه في إدارة السلطة، وأن أي تراخ في إبقاء السيف مسلطا على رقاب البعثيين، يعني فتح الطريق أمامهم للتآمر وسرقة السلطة من الأحزاب الإسلامية (الشيعية). علما بأن إجراءات “المساءلة والعدالة” طبقت بمعايير ذاتية ومصلحية وطائفية خلال السنوات الاثنتي عشرة السابقة.

بيان العبادي في شحن أسلحة الحرب على البعثيين إلى جانب داعش يدّل على تمسك حزب الدعوة وحلفائه بذات المواقف منذ عام 2003 وما بعده، رغم ما حصل من أزمات أمنية وسياسية تعرّض لها البلد بسبب هذه السياسة وآخرها احتلال داعش لثلث أرض العراق. ويعيد هذا الموقف العدائي إلى الأذهان ما قام به نظام صدام حسين قبل عام 2003 من تجريم لحزب الدعوة واعتقال وإعدام لغالبية كوادره بتهمة التآمر على الحكم والتعاون مع إيران. مع ذلك لم تتمكن تلك الإجراءات والقرارات التعسفية من محو حزب الدعوة حتى وإن بقي من كوادره القليل الذين هربوا إلى إيران وسوريا، واشتغلوا مع باقي أطراف المعارضة وانضموا إلى المشروع الأميركي لاحتلال العراق. والآن يعيد حزب الدعوة نفس السيناريو، وهو يعلم بأن الأفكار لا تُمحى بالقتل والسجن، وإنما بالبديل الذي يقدّم للشعب الأمن والرخاء.

المثير هو الظرف الاستثنائي الذي يمر به البلد، فمعروف أنه حينما تداهم أي شعب من شعوب العالم وأممها حرب كبيرة أو صغيرة، فإن الحكومات، وكجزء من المسؤولية التاريخية وتعبئة الحشد الوطني العام، تلجأ إلى قرارات استثنائية كإطلاق سراح المعتقلين، وعقد مصالحات سياسية يتم من خلالها تجاوز الخلافات العقائدية والسياسية وغمد الأسلحة لصالح قضية الوطن الكبرى. والشواهد كثيرة، أقربها في الزمن والجيرة والعقيدة، المثال الإيراني، حين اتخذ الخميني قراراته في استعدادات نفير الحرب ضد العراق عام 1980 وتم إطلاق سراح المعتقلين من أذناب نظام الشاه، واستدعاء من تم تسريحهم في مجالات الأمن والاستخبارات والعلوم والتكنولوجيا في داخل إيران وخارجها، وعفا عنهم وزجهم في الحشد الحربي العام. ولعل التساؤل المشروع أليست الحرب الراهنة هي حرب جميع العراقيين ضد عدو اسمه “داعش”؟ وبالتالي أليس من حق كل عراقي المشاركة في شرف الدفاع عن بلده، سواء أكان شيعيا أم سنيا، لأنها حرب وطنية، أم أنها ليست كذلك وهي حرب طائفية خاصة، وحرب نفوذ ومصالح؟ ولماذا هذا التوقيت من قبل العبادي في لحظات انفتاح المعارك في مناطق يطلق عليها عربية سنية، وفيها من البعثيين عشرات الألوف يمكن أن يكونوا المقاتلين الحقيقيين ضد داعش. وهل منع تسليح العشائر في تلك المحافظات يقع في ذات السياق “خوفا من تسليح البعثيين”؟

نحن هنا لسنا في مجال الدفاع عن حزب البعث والبعثيين، فهم قادرون على الدفاع عن أنفسهم، لكننا في مجال المناقشة الوطنية العامة وتحليل الوقائع والأحداث. فقد ظهرت منذ العاشر من يونيو 2014 تسريبات ووقائع إخبارية كثيرة حول مواقف البعثيين من داعش في الأيام الأولى لاجتياحها، وإنهم لم يقفوا ضدها، أو لم يقاتلوها وفق تبريرات لا ندخل في مجال تقييمها. وهنا نعرض معلومات وتحليلات فقط، من بينها ما يقولونه “بأنهم لاقوا ما لاقوه من مطاردات وسجون وتشريد وحجب للحقوق المدنية لاثنتي عشرة سنة، دفعتهم إلى عدم معاداة أي جهة تحارب السلطة في العراق”، أو لعل ذلك يقع في سياقات التكتيك السياسي القائلة بجعل داعش جرّافات أمامية لإسقاط الحكم، ثم التقاط السلطة من قبلهم ومعهم جميع التيارات السياسية المعارضة.

لكن داعش له أيديولوجيته وسياساته المعادية للجميع وفي مقدمتهم البعثيون (الكفرة)، أليسوا هم البعثيين الذين يحاربونهم أيضا في سوريا؟ ومن بين التسريبات “إن داعش يعتقل حاليا ثلاثة أعضاء من القيادة القطرية لحزب البعث في العراق”، وإنه أعدم مجموعة من القادة العسكريين البعثيين لأنهم لم ينفذوا أوامره.

مواقف العبادي بشأن البعثيين، لا تخدم المعركة ضد داعش، كما أنها تغلق الأبواب أمام محاولات المصالحة التي عُين أياد علاوي مسؤولا عن ملفها، فالمصالحة مع مَن؟ هنا نقترح على علاوي أن يبحث له عن ملف آخر في سلطة الحكم الحالية.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر