السبت 22 يوليو/تموز 2017، العدد: 10699

السبت 22 يوليو/تموز 2017، العدد: 10699

'المصريات' لا يعرفن 'تحرير المرأة'

لم تكن البنت التي اشتغلت في الغيط تعرف 'اليوم العالمي للمرأة'، كان إنجازها في شغل الغيط يتساوى مع الرجل، هذا هو العنوان الحقيقي لتحرر المرأة.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/03/10، العدد: 9852، ص(8)]

إلى أمي

البنت التي كانت تشتغل بجواري في الغيط كبرت، وأنجبت بنين وحفدة. كنا فرقة من الشغيلة، “الأنفار”، منهم أب وأم تشمّر ساقيها وذراعيها وتشتغل مثل الرجل، وتنال أجرا مساويا. تلك المرأة أشبه ببنت مجذوب في رواية الطيب صالح “موسم الهجرة إلى الشمال”، واثقة في غير فجاجة، صريحة في خفة ظل، تؤكد أنها “إنسان”، في ردها على “ود الريّس”: “أنت تفلح في الكلام. ولا بد أنك تجري وراء النساء لأن بضاعتك مثل عقلة الإصبع… رجل مخرف. عقلك في رأس ذكرك، ورأس ذكرك صغير مثل عقلك”. آنذاك، وفي شغل شاق تنجزه أيد خشنة، عارية بالطبع، لم تبال الأمهات والصبايا بكشف شيء قيل في وقت لاحق إنه “عورة”، ولم يكن الرجال الأميون الأسوياء ينظرون إلى “عورات النساء”. في ذلك السياق “الإنساني”، وقر دين الفطرة في قلوب النساء والرجال، فأيقنوا أن “النساء شقائق الرجال”، ولم يكن هناك مجال لفائض التعفف المصطنع.

تلك البنت التي كانت أكثر مهارة في الشغل، وتساعدني أحيانا، أبلغوها بعد أن صارت أما أنها لم تكن مسلمة بما يكفي، وتحت ضغط نفاق ديني اجتماعي قاهر لبست خمارا جعلها نسخة من طابور من “النساء”، ثم أخبروها حين صارت جدّة أن إسلام المرأة لا يكتمل إلا بارتداء “النقاب”، فكان لهم ما أرادوا، وعادت مصر إلى ما قبل موجة تحرر ارتبطت بصعود الوعي في ثورة 1919.

بحس فطري حضاري كان المجتمع المصري يرى المرأة شقيقة للرجل، وليست عورة. لم تشغله شعارات كبيرة تصلح للقاعات المكيّفة: “عمل المرأة” و”تحرير المرأة”؛ فالمرأة تعمل بندية، ولا تشعر بانتقاص لحريتها، ولا ترى أن سفورها ذنب حين تمارس زراعة أو تجارة. كان الشعار خاصا بنساء الطبقة الوسطى العليا، أو العليا المرتبطة نفسيا واقتصاديا بالباب العالي، أي باب عال من الغزو العثماني إلى الاستلاب البدوي الوهابي. تماهت نساء هذه الطبقة مع تقاليد عثمانية “تحجب الحريم” عن عيون العامة، امتياز لا تحظى به عموم النساء، وهذا تقليد ما زال ساريا في بعض مجتمعات الخليج، يمنح لنساء السادة وتحرم منه المسلمة القادمة للخدمة.

خارج دائرة الاستلاب التركي، لم تكن المرأة المصرية محجوبة، بل تعمل في الحقول والمقاهي والمصانع الصغيرة، وتغنّي في كل حالاتها. من هؤلاء خرجت أم كلثوم، نبتا مصريا يجسّد قيمة الحرية دون التشدق بها، وأصبحت وتد خيمة عصرها، وحول الخيمة أخريات ينظرن بإكبار إلى المرأة ـ الظاهرة التي شقت طريقا من النجوع والقرى، وأصبحت “سيدة الغناء العربي”.

لم تكن تلك البنت التي اشتغلت بجواري في الغيط تعرف شيئا اسمه “اليوم العالمي للمرأة”، كان مارس شهر عمل. وإنجازها في شغل الغيط يتساوى مع الرجل، وهذا هو العنوان الحقيقي لما يطلق عليه ذوو الياقات البيض – في حلقات بحث لا علاقة للمرأة المصرية بها – “تحرر المرأة”. هذا خلل اصطلاحي وقع فيه كثيرون منذ نهايات القرن التاسع عشر. في عام 1899 صدر كتاب “تحرير المرأة”، تأليف قاسم أمين المستشار بمحكمة استئناف مصر الأهلية. وسيخبرنا محمد عمارة، بعد تحقيقه الآثار الكاملة للإمام محمد عبده، أن فصل “حجاب النساء من الجهة الدينية”، الذي ورد في كتاب قاسم أمين: “من الفصول التي حققنا نسبتها إلى الأستاذ الإمام”، وفيه يقول “لو أن في الشريعة الإسلامية نصوصا تقضي بالحجاب، على ما هو معروف الآن عند بعض المسلمين، لوجب عليّ اجتناب البحث فيه، ولما كتبت حرفا يخالف تلك النصوص… لكنا لا نجد نصا في الشريعة يوجب الحجاب على هذه الطريقة المعهودة، وإنما هي عادة عرضت عليهم من مخالطة بعض الأمم فاستحسنوها وأخذوا بها وبالغوا فيها وألبسوها لباس الدين كسائر العادات الضارة التي تمكنت من الناس باسم الدين والدين منها براء”. (الأعمال الكاملة للإمام الشيخ محمد عبده: في الكتابات الاجتماعية).

ويتساءل الإمام “كيف يمكن لامرأة مـحجوبة أن تتخذ صناعة أو تجارة للتعيش منها إن كانت فقيرة؟ كيف يمكن لخادمة مـحجوبة أن تقوم بخدمة بمنزل فيه رجال؟ كيف يمكن لزارعة محـجوبة أن تفلح أرضها وتحصد زرعها؟”. ويقول “لا أظن أنه يسوّغ للقاضي أن يحكم على شخص مستتر الوجه ولا أن يحكم له. ولا أظن أنه يسوغ له أن يسمع شاهدا كذلك. إن أول واجب عليه أن يتعرف وجه الشاهد والخصم”.

في عصور الانحطاط الأخلاقي يهتم البعض بتوافه الأمور، ويحرص على إظهار التديّن في سلوك نفاقي يكسبه ثقة بنفسه، ويطمئنه أنه من “الفرقة الناجية”. لا يبالي من يتخذون الدين “مهنة” باحترام قيمة العمل وحرمة المال العام واحترام حق الطريق أو الجار. بعضهم يبرر الاحتلال الأجنبي ويدعو إليه، ويصمت عن جرائم قتل باسم الدين أو الوطنية، ثم يجادل في نقض دم البرغوث للوضوء، ويقطع بتحريم كشف وجه المرأة، ويتنطع بأن النقاب هو الدين، وإن تساهل قال إنه من الدين، ولو تنازل درجة قال إنه من آداب النساء، وذلك ادعاء أدهش الإمام محمد عبده “أي علاقة بين الأدب وبين كشف الوجه أو ستره؟ وعلى أي قاعدة بني الفرق بين الرجل والمرأة؟ أليس الأدب في الحقيقة واحدا بالنسبة إلى الرجال والنساء؟ وموضوعه الأعمال والمقاصد لا الأشكال والملابس؟… المرأة ليست بأولى من الرجل بتغطية وجهها. عجبا! لم يُؤمر الرجال بالتبرقع وستر وجوههم عن النساء إذ خافوا الفتنة عليهن؟ هل اعتبرت عزيمة الرجل أضعف من عزيمة المرأة، واعتبر الرجل أعجز من المرأة عن ضبط نفسه والحكم على هواه؟ واعتبرت المرأة أقوى منه في كل ذلك، حتى أبيح للرجال أن يكشفوا وجوههم لأعين النساء مهما كان لهم من الحسن والجمال… إن زعم زاعم صحة هذا الاعتبار رأينا هذا اعترافا منه بأن المرأة أكمل استعدادا من الرجل”.

طال هذا الاقتباس من كلام الإمام الذي كتب أيضا قبل 116 عاما أن النقاب يخفي شخصية المرأة “فلا تخاف أن يعرفها قريب أو بعيد… فهي تأتي كل ما تشتهيه من ذلك تحت حماية ذلك البرقع وهذا النقاب”.

رحم الله الإمام ورحمنا.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر