الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

'تغريب' العربي و'تعريب' الأطلسي

نفس الفاعل الإسلاموي الذي عمل على 'عربنة' الأطلسي و'أنسنة' التدخل الدولي هو ذاته الذي يعمل اليوم على 'تغريب' الدور المصري والإماراتي في ليبيا.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/03/11، العدد: 9853، ص(8)]

كلّ شيء هو خاضع للمساومة والمقامرة والتغيير والتعديل صلب المنظومة الإخوانية المأزومة بدءا بـ“المقدس” الديني، نهاية إلى “المقدس” الأخلاقي والمعنوي.

نظرية “مبدأ اللامبدأ “لدى الإخوان وسياسة استبدال المواقف وتغيير الآراء، تجسدت مؤخرا في استبسال الإسلاميين في تونس وليبيا ومصر رفضا للتدخل الأجنبي العسكري في ليبيا بزعم أنّ “حرمة” الأوطان خط أحمر لا يمكن التساهل معه، وأنّ التدخل العسكري في الأقطار العربية مقدمة لتحولها إلى دول فاشلة وإلى ساحات تمدد وانتشار لأمراء الحرب والسلاح.

ولئن سلمنا بالقدرة التفسيرية لهذا الموقف وبضرورة انسحابه على كافة العواصم العربية دون استثناء، إلا أنّ تحوّل هذا “الموقف المبدئي” إلى قميص عثمان يرفع ويلوّح به كلما كان ظهر الإخوان مسنودا إلى الحائط، أو كلما ابتسر هامش المناورة لديهم، لهو دليل على أنّ “المبدئية النفعية” هي وحدها الحاكمة لمواقفهم من القضايا المحلية والإقليمية والدولية.

فأن تبحث فضائيات الإسلام السياسي طويلا في معجمية “السيادة الوطنية” وأن تؤثث برامج طويلة لـ“إعادة الروح في مفاهيم “الحل التوافقي” و“التشاركية” في وقت كانت فيه ذات الفضائيات “تستبيح” وتستحلّ أرض وسماء الأقطار العربية الواحدة تلو الأخرى، وتحرّض على التدخل الأجنبي في العواصم العربية لتوريثها لـ“إسلاميي” برنار هنري ليفي، يكشف عن كينونة “الثابت” و“المتغير” في الخطاب الإعلامي والسياسي للإخوان.

بيد أنّ قمّة المفارقة في أداء الإخوان، كامنة في حجاجهم بحصاد سياساتهم المروعة المستدعية للتدخل في ليبيا في 2011، لإقناع الرأي العام بخطورة التدخل الأجنبي في ليبيا 2015، فلئن كان إخوان ليبيا “حطب” و“حصب” استدرار القرار الدولي 1970 و1973، ولئن كانوا أوّل وأكثر من اجترحوا الذرائع القانونية والسياسية والثقافية، وحتى الدينية، لتدخل الناتو في ليبيا، فأنى لهم، إذن، أن ينبهوا بخطورة حصاد سياساتهم السابقة؟ وأنى لهم أيضا أن يحذروا من تجارب فاشلة كانوا لها المروّجين والمسوّقين دون تقديم اعتذار علني ورسمي للأمة أولا وللتاريخ ثانيا؟

الغريب في هذا المستوى من الفوضى الأخلاقية لدى الإخوان، أنّ نفس الفاعل الإسلاموي الذي عمل على “عربنة” الأطلسي و“أنسنة” التدخل الدولي هو ذاته الذي يعمل اليوم على “تغريب” الدور المصري والإماراتي في ليبيا.

فأن تركز فضائيات الإخوان على تتبع أدق تفاصيل القصف المصري لمعاقل الإرهابيين في سرت ودرنة، وتصويره على أنّه تدمير لمقدرات الدولة الليبية ومقومات الشعب الليبي، في حين أن ذات الفضائية كانت ترفض مجرّد التسليم بسقوط شهيد أو جريح ليبي جراء صواريخ التوماهوك الأطلسية التي كانت تدك ليبيا في ربيع 2011، منذرة بربيع من الدماء والدمار في كامل منطقة شمال أفريقيا.

هكذا تصاب المنظومة الأخلاقية العربية في مقتل، وندخل عصر “تغريب العرب للعرب”، وهو عصر ترفض فيه مقترحات نشر القوات العربية المشتركة لمحاربة الإرهاب، وتُلفظُ فيه أيضا كافة منظومات الإبرام والحلّ صلب الإقليم العربي، ليبقى القرار معلقا وعالقا في الخارج في انتظار السيّد “الأصيل” ولتطبيق “الوكيل”.

من حق العقل العربي أن يشكك وأن يعارض وأن ينتقد كل تدخل عسكري أجنبي في أقطارنا العربية تحت أية ذريعة كانت، فشواهد الماضي القريب ومشاهد الحاضر تؤكد أن كافة التدخلات العسكرية أفضت إلى 4 كوارث على الأقل، سقوط الدولة، وانتشار الإٍرهاب، والارتهان إلى القوى الكبرى، وتفشي الفقر والفاقة.

ولكن من واجب “العقل” العربي أن يرفض، بذات المقدار، كلّ متدثّر بـ“المبدئية الأخلاقية والسياسية” وأن يسقط كل قناع يروم إخفاء الحقائق وتحويلها عن وجهتها ويخرس كل لسان يعتبر التدخل العسكري الأجنبي مرّة حرام ومرات أخرى حلال.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر