السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

قبر مولانا

الحسين ويزيد وخامنئي وداعش والقاعدة، كلهم أشباحٌ من الماضي، لا يعرفون لغة الحاضر، ولن يكونوا من سكان المستقبل يوماً.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/03/13، العدد: 9855، ص(24)]

دخلتُ في يوم من الأيام قبل سنين، مطعماً عريقاً في دمشق، كنت قد اعتدت ارتياده مع مثقفين وأدباء سوريين وعرب بين الوقت والآخر، فإذا بصاحبه يرحّب بي ويهلل على غير عادة، ويدعوني إلى مشاركته طاولته المنفردة، ويأمر موظفيه بأن يجلبوا كل ما لديهم من الفتوش والتبولة والكباب وما لذ وطاب، وعلى عشاء العمل المفاجئ هذا، قص عليّ الرجل العجوز شكواه، “يا سيدي لما افتتحت هذا المطعم في الخمسينات، كان إلى جواره قبر قديم مهمل، ومع الزمن، بدأ بعض الحيتان من التجار يعرضون عليّ مشاركتي في رزقي، وأنا أرفض، لأني لا أحب الشريك، خاصة إذا كان شريكاً بالغصب، فاهتدى هؤلاء إلى حيلة، وهي أن يحولوا القبر المهجور الذي بجواري إلى مقام لولي من أولياء الله، وهكذا، يمكنهم وفق القانون هدم أكثر من نصف مطعمي، لأنه لا يجوز أن يجاور المسجد مطعم، كي يرغموني على اللجوء إليهم فهم الذين يفصّلون القوانين على قياس مصالحهم، أرجو أن تشير عليّ لأني لا أعلم كيف أتصرّف”.

سألته “قبر من هذا؟” قال “يا أخي لا تخلينا نحكي على العالم، هذا قبر واحد نسونجي سكير عربيد، لا علاقة له بالدين”، وكان يتحدث بغضب شديد ويضرب بيده على الطاولة، وكأن بينه وبين صاحب القبر ثأر، كررتُ السؤال “وهل للقبر قيمة دينية”؟ قال “يا أستاذ هذا قبر رجل قتلته زوجته في جريمة شهيرة لأنه تزوج عليها، فكيف يحولونه إلى مقام، ويفتتحون مسجداً صغيراً بجواره؟ عيب.. حرام”.

وعدته بأن أفكر في الأمر، وأعود إليه، وخرجت ليلاً إلى المكان الذي ذكر، وقرأت الكتابات القديمة المحفورة على الجدران الصخرية، وإذا به قبر عز الدين أيبك، المملوك التركي الذي قتلته زوجته شجرة الدر، فعلاً في الحمام ضرباً بالقباقيب، ولم يكن ولياً من أولياء الله، ولا علاقة له بالقانون فقد انقلب على الملك الصالح أيوب وتزوج أرملته وأسس حكم المماليك، وأنشأ في هذا المكان مدرسة وجعل لها وقفاً في ميدان القصر خارج دمشق، وصار اسمها المدرسة العزّية على اسمه في العام 1229، وتضم اليوم قبره وقبر ولده الأمير مظفر الدين إبراهيم، وتطلّ على حي الورّاقة في دمشق، لكنها لم تكن مسجداً في يوم من الأيام، قبل أن يكتشف غيلان المال أهمية مطعم الرجل الذي يجاورها ويقرروا استثمار الدين لصالح المال.

وهكذا وجدت نفسي في موقع الحَكَم، بين شجرة الدر وعز الدين أيبك وقباقيب حيتان المال والأعمال في العصر الحديث، ولأن القضية شهودها وشخوصها كلهم موتى ومشاكلهم كثيرة، فقد آليت على نفسي أن أتهرّب من الرجل، وكنت كلما مررت على مطعمه أراه يقرأ مجلدات ضخمة بعينين متعبتين من خلف نظارات سميكة، “تاريخ دمشق لابن عساكر”، “الخطط المقريزية في تاريخ المماليك”، “البداية والنهاية لابن كثير”، “وفيات الأعيان لابن خلكان”، وينظر إليّ بطرف عينه عاتباً بين الوقت والآخر.

كان الرجل يبحث عن حل لمشكلته في التاريخ السحيق، وليس في الحاضر، كما يفعل الجميع اليوم، فالحسين ويزيد وخامنئي وداعش والقاعدة، كلهم أشباحٌ من الماضي، لا يعرفون لغة الحاضر، ولن يكونوا من سكان المستقبل يوماً.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر