الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

خريف اليسار الثقافي

انحسار سلطة ثقافة اليسار قابلها تراجع واضح في دور المراكز الثقافية العربية لأسباب متعددة، ترافق مع ظهور مراكز حديثة النشأة والتكوين، تمتلك الإمكانيات المادية الكبيرة التي تؤمن لها أن تلعب هذا الدور.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/03/17، العدد: 9859، ص(15)]

سألني صديقي بينما كنا نستذكر حالات ومواقف ثقافية من سبعينات القرن الماضي: لماذا غاب شعراء وروائيو اليسار عن صدارة المشهد الأدبي والثقافي العربي، على خلاف ما كان الحال عليه في السبعينات والستينات المنصرمة؟ ولماذا بعض من كانوا يحسبون على هذا التيار تنكروا لماضيهم، وانزوى بعضهم الآخر؟

قبل أن أجيب سألت صديقي: ترى أين أصبح اليسار العربي، ومعه ثقافة اليسار ورموزها بعد تلك السطوة التي كانوا يتمتعون بها في الثقافة العربية، مع صعود تيارات اليسار العربي؟ مشكلة القوى والأحزاب اليسارية العربية، كما في دول المنظومة الشيوعية أنها أخضعت الثقافة إلى سلطة الأيديولوجيا، وأنها كانت تروّج لهذا الكاتب أوهذا الشاعر وفقا لاعتبارات سياسية وأيديولوجية، أكثر من كونها اعتبارات جمالية وأدبية، تضيف إلى التجربة وتثريها.

كان لكل حزب كاتب أو شاعر يتولى تلك المسؤولية، ولذلك كان كثير من الكتاب والأدباء ينتمون إلى هذا الحزب أو ذاك، أو يرتبطون بصداقة عميقة لكي ينالوا تلك الحظوة، حتى يتمّ الترويج لهم ثقافيا، بعد أن احتكر اليسار أهم المنابر والمؤسسات الثقافية، وكان المزاج العام لصالحه، إضافة إلى وجود نقاده وكتابه الذين كانوا يتولون تلك المهمة، ما عزز من نفوذه وهيمنته على الحياة الثقافية.

فشل اليسار، والتجارب السياسية لأحزاب اليسار ساهمت في تراجع نفوذه، فلماذا تسأل يا صديقي طالما أنك تدرك العلاقة العضوية، التي كانت قائمة بين الثقافة والأدب، وبين أيديولوجيا وسلطة اليسار العربي؟ تحرير العلاقة بين الثقافة والأيديولوجيا ساهمت في خلق حالة من التنوع، وعززت نزعة البحث والتجريب عند الكتاب والشعراء، كما حررت النقد من سلطة الأيديولوجيا، وجعلت الممارسة النقدية تنفتح على ممارسات ومفاهيم واتجاهات حداثية كثيرة، كانت تعدّ سابقا جزءا من الثقافة البرجوازية.

الظاهرة التموزية في الشعر العربي الحديث كانت انعكاسا لتلك الرؤية الأيديولوجية، المعبرة عن قيام الواقع وولادته الجديدة في ظل سلطة اليسار. لكن هزيمة يونيو المدوية كشفت عن سذاجة أصحاب تلك الرؤية، فكانت البكائيات والندب هما العنوان الجديد لأدب تلك المرحلة، تعبيرا عن الصدمة من جهة، وإدراكا للأوهام التي خلقتها تلك التبعية للسياسي من جهة ثانية.

انحسار سلطة ثقافة اليسار قابلها تراجع واضح في دور المراكز الثقافية العربية لأسباب متعددة، ترافق مع ظهور مراكز حديثة النشأة والتكوين، تمتلك الإمكانيات المادية الكبيرة التي تؤمن لها أن تلعب هذا الدور، وتستقطب من خلاله الكثير من المثقفين العرب.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر