السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

المصعد ومنطاد موباسان

تذكرت كيف أن رجلا في الفسطاط في أوائل سني فتح مصر ابتنى منزلا من طابقين. فظن رفاقه به الظنون واشتكوه فصدرت أوامر بهدم بيته، يستأهل.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/03/17، العدد: 9859، ص(24)]

حدث في ذات أربعاء أنني تلقيت دعوة عاجلة وملحة لحضور مؤتمر لم أفهمه. المؤتمر موضوعه غريب مكون من كلمتين، أولاهما عقيدة والثانية نقطة في البوصلة. ذكرني باسم محل في علاوي الحلة في بغداد اسمه مخزن الساعة والصحراء. هذا المؤتمر بتلك الغرابة اسمه الإسلام والغرب. يعني مؤتمر الدين والنقطة في البوصلة. ساقني الفضول إلى قبول الدعوة. سألت أحد القائمين على الأمر فقال لي: لا أدري لماذا استضافوك؟ لكن حدسي هو أنهم فعلوا ذلك من باب الوجاهة. قلت: وما الوجاهة؟ قال: عندما يتوجه الخاطبون لطلب يد فتاة يأخذون معهم شخصا حسن الملبس والهيئة وحسن الكلام رغم أنه ليس من موضوع الخطوبة في شيء.

قبلت التفسير. شاركت في بعض الجلسات وأنا أفكر في مواضيع أخرى، منها حكاية المصعد. نزلنا في فندق راق وبه ثمانية مصاعد تتخاطف مثل النيازك. لا تنتظر أكثر من عشر ثوان. ومع ذلك تجد النزلاء العرب يلجون أحدها ويبقون الباب مفتوحا عنوة صارخين: انتظر حتى يأتي زيد. ويصرخون بضراعة: زيد، زين، أين صرت. والباب يحاول أن ينسد لكنهم يتصدون لمحاولاته بأجسامهم ويمكن بأرواحهم.

يتصرفون وكأن المصعد آخر قافلة سترحل إلى مكة ومن لا يلحق بها سيحج بعد عام. أو كأن المصعد هذا آخر منطاد إجلاء من باريس لدى حصار الألمان للمدينة في 1871.

مشهد تدافع وتمسك رهيبين يصفهما موباسان في رواية نسيت اسمها. كل هذا وزيد لا يريد أن يلتحق بالقافلة. كل هذا وهناك مصعد كل عشر ثوان. كل هذا وباب المصعد يحاول جاهدا أن يؤدي وظيفته بأن ينغلق.

أبواب المصاعد تحب أداء عملها بأن تفتح وتنغلق. عندما يغلق المصعد بابه أتخيله يبتسم ابتسامة رضا عن الذات ينطلق بعدها سعيدا واثقا. لعلكم لم تلاحظوا ابتسامة الظفر والرضا عند المصعد حين إغلاق الباب. لذلك عندما يحاول أصحاب زيد صده عن أداء مهمته يزداد شراسة في محاولة الغلق، فيزداد أصحاب زيد وحشية واستماتة. لايريدون حرمان صاحبهم من بلوغ منطاد النجاة أو قافلة الحج الأخيرة.

استخلصت من كل هذا أن العرب غير مقسوم لهم التحرك عموديا ضمن مبنى من طوابق. وتذكرت كيف أن رجلا في الفسطاط في أوائل سني فتح مصر ابتنى منزلا من طابقين. فظن رفاقه به الظنون واشتكوه فصدرت أوامر بهدم بيته، يستأهل.

في استراحة المؤتمر كان الحديث يدور مستعرا عن سنة التدافع وصراع الحضارات. طُلب رأيي فحكيت لهم عن المصعد ورأيي فيه، ربما تداعيت بسبب كلمة التدافع. ضحك الجميع إلا واحدا، وهو مفكر إسلامي كبير حقا، ضحك وقال لبقية الضاحكين هذا كلام ظريف لكنه عميق. وأوصاهم بتدبره، فصرت صاحبا لذلك المفكر بقية المؤتمر وأنا ممتن إلى اليوم من وصف كلامي بالعميق.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

:: اختيارات المحرر