الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الجزائر وإعادة تأهيل إخوان ليبيا

اليوم، تعمل دولة الجزائر على إعادة تأهيل التيار الإخواني والسلفي الليبيين بعد أن فقدا كافة مقدرات الشرعية في ليبيا، وتفتح لهما أبواب العودة إلى العمل السياسي والمؤسساتي.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/03/18، العدد: 9860، ص(9)]

كثيرة الوساطات السياسية العربية التي سقطت في الماء، بعد أن استحالت إلى حصان طروادة لبعض الأطراف السياسية التي خسرت الميدان العسكري والوجدان الشعبي، فإذ بها توظّف الوساطات الإقليمية لإعادة التمركز في المشهدية السياسية.

عقب ثورة 30 يونيو 2013 التصحيحية، رفض الوجدان الشعبي المصري ومن ورائه الدولة المصرية كافة الوساطات الأميركية والأوروبية لتسوية الأزمة مع الإخوان، ليس لاستئصالية في المزاج الشعبي المصري، أو لرغبة الفرقاء السياسيين المصريين في إخراج الإخوان من توازن القوى السياسي في البلاد، ولكن لأنّ التيار الإسلاموي فقد شرعيته وشعاره، وجزءا كبيرا من “شارعه”، وبات جزءا من التاريخ السياسي المصري وليس مكونا من مكونات الحاضر أو فاعلا من مفاعل نحت المستقبل.

في ليبيا، تداعى السياق السياسي والشعبي والثقافي إلى نقطة “ما بعد الإسلاميين والسلفيين”، حيث باحت الانتخابات البرلمانية الليبية الأخيرة والالتفاف الشعبي حول الجيش الليبي عن توافق شعبي على طيّ صفحة الإسلاميين وحلفائهم، وعن تقاطع سياسي ليبي بضرورة تجاوز مرحلة “الدولة الفاشلة” التي تردّت إليها ليبيا خلال الحقبة الإخوانية والسلفية.

صحيح أنّ الكثير من التناقضات الداخلية، التي تبدأ من الثقافة القبلية والعشائرية وتمر عبر مخاطر التقسيم والانفصال ولا تنتهي عند غابة البنادق وساحات الخنادق، حالت دون قفز ليبيا فوق جراح الماضي، لكن تعامل الإسلاميين مع مؤسسات الدولة الليبية، بعقلية الغنيمة وبعقل “الاستقواء” بالقوى الإقليمية من أنقرة إلى الدوحة، وتحالفهم الإستراتيجي مع التيارات التكفيرية، أنهى إرهاصات النجاح الثوري وقضى على فرص انتقال ليبيا من “دولة الفرد” إلى دولة المجموعة الوطنية بعد أن استحالت “دولة للجماعة”.

اليوم، تعمل دولة الجزائر، على إعادة تأهيل التيار الإخواني والسلفي الليبيين بعد أن فقدا كافة مقدرات الشرعية في ليبيا، وتفتح لهما أبواب العودة إلى العمل السياسي والمؤسساتي عقب فشلهما لا فقط في تحمّل أعباء الاستحقاقات السياسية والدستورية والعسكرية التي تمر بها ليبيا، وإنما في تحوّلهما إلى خطر استراتيجي يتهدد منطقة شمال أفريقيا برمتها.

ذلك أنّ تورط الجماعات الإخوانية في دعم الإرهاب، في مصر وسوريا وليبيا، والتساهل معه في تونس تحت مسمّيات عديدة، لا بدّ أن يتحوّل إلى قناعة راسخة لدى دوائر اتخاذ القرار في الجزائر، لتصير منظومة أداء وتحرّك ومسلكية سياسية وكينونة وساطات تبتغي عبرها تسوية الأزمة المشتعلة في البلاد.

من حقّ الجزائر أن تبعد عن أرضها كرة النار المشتعلة والمتحرجة من الشرق الليبي عبر التشجيع على الحوار الليبي وإجلاس الفرقاء على طاولة النقاش، ولكن دون القفز على الشرعيات الدستورية والانتخابية التي أقرها الشعب الليبي، ودون فرض وجوه لفظها الليبيون بعد أن اكتووا بأوار الإرهاب التكفيري طيلة 4 سنوات من عمر الأزمة.

كل وساطة، اعتبرت ادعاء أنّها المرجعية للإرادة الشعبية وأنّها سلطة “فوق السلطات” انتهت إلى فشل ذريع، فلا الوسيط الدولي جمال بنعمر قدر على تحويل الحوثيين إلى سلطة شرعية في البلاد، ولا الوساطة الأفريقية في الملف الليبي تمكنت من إعادة الروح في جسد نظام القذافي بعد أن سقط رمزا وشرعية في الوجدان الليبي.

وعلى الجزائر، التي نجت من دمار الربيع العربي بفضل استيعاب الشعب الجزائري لدرس عشرية الدم، أن توظّف القوة الناعمة التي تمتلكها بفضل مليون شهيد في سبيل الديمقراطية والحرية والتحرر، لا لإعادة تأهيل تيار سياسي نالت الجزائر قبل غيرها من إرهابه وخرابه، وإنما لإقرار الشرعية الدستورية والانتخابية في ليبيا التي تمثّل لبنة الشرعية التوافقية في حال وجدت مخرجات الحلّ الليبي طريقها للتحقق.

إن كان هناك من درس من دروس السياسة من الأزمة السورية والليبية التي طوت ميلادها الرابع، أنّ كافة الأنظمة التي تحالفت مع قطر وتركيا، ارتدت عليها هذه العلاقة بالويل والخراب والفوضى، وأنّ النظامين السوري والليبي اللذين كانا من أكثر الأنظمة دفاعا عن قطر وتركيا هما الآن من أكثر الأنظمة دفعا لفاتورة باهظة.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر