الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

محنة الراهن

تحالف رجال الدين والسلطة ساهم في تكريس الواقع ، ما جعل مشروع التنوير والحداثة يبقى في الهامش، ويجري توظيفه وفقا للحاجة.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/03/24، العدد: 9866، ص(15)]

ربيع الثورات العربية الذي لا يزال يعيش مخاضاته الدامية والعسيرة، ما كان له أن يتخذ هذا البعد التراجيدي العنيف، لولا أنه وضعنا وجودا وتاريخا وثقافة وهوية أمام لحظة مصيرية، علينا أن نحسم فيها خياراتنا بصورة واضحة حيال جملة من المفاهيم والقيم والمسائل، التي ظلت القوى الحاكمة العربية والأحزاب تتعامل معها بانتقائية، أو توظفها لخدمة مصالحها أو تتعامل معها برؤية رومنسية، وفي مقدمتها قضايا الدين والحداثة، ومفاهيم الدولة والمواطنة والديمقراطية وغير ذلك من المسائل الهامة. لذلك فإن من يرى في هذا العصف الكاسح، وما يتولد عنه من تصدّعات عميقة وواسعة في بنية الواقع العربي، مجرّد مؤامرة أو انتكاسة، قياسا بما كان عليه الواقع قبل هذا، فإنه لا يريد أن يفهم حقيقة ما يحدث.

لأول مرة تطرح هذه القضايا على الوعي العربي كتحديات وجودية وثقافية كبيرة، ويجري الاشتباك العنيف حولها، ذلك لأن القوى التي سيطرت على الحكم كانت من أحزاب وقوى سياسية وعسكرية واجتماعية، أرادت من الثقافة أن تكون في خدمة مشروعها، ومن الدولة أن تتماهى معها، ومن المجتمع أن يتحوّل إلى رعية، ومن الدين وسيلة لإضفاء المشروعية عليها، أو لإبعاد الناس عن السياسة.

تحالف رجال الدين والسلطة ساهم في تكريس الواقع ، ما جعل مشروع التنوير والحداثة يبقى في الهامش، ويجري توظيفه وفقا للحاجة، وبدلا من التقدم والتطوير كانت الثقافة السائدة تزداد فسادا وتخريبا ومحاصرة من قبل السلطتين السياسية والدينية. حملات التكفير التي قامت بها المؤسسة الدينية لعدد من المفكرين والكتاب العرب، كانت تتويجا لهذا الواقع، شغل المجتمع عن فساد السلطة واستبدادها.

في سوريا التي يدّعي النظام فيها العلمانية كان عدد معاهد الأسد لتحفيظ القرآن أضعافا مضاعفة لعدد المراكز الثقافية في كل محافظة، لمجرد أن النظام أراد أن يرشو السلطة الدينية بذلك، بهدف شراء ولائها، بل إن تراجع النظام أمام تلك المرجعيات وصل إلى درجة أن استبدل عقد الزواج، كما كانت تسميته طوال عقود بعقد النكاح في زمن الوريث الابن رائد التحديث والتطوير.

مفتي النظام يتحدث ويفتي في قضايا الدولة السياسية والاجتماعية، كما لو أنه الأمين القُطري لحزب البعث الحاكم. إلغاء الحياة السياسية والثقافية ومحاربة قوى التغيير والمجتمع المدني، ساهمت إلى جانب الممارسات السلطوية السابقة، في وصول الواقع إلى هذه الدرجة من الاحتقان والصراع، وهي التي وفرت ومازالت توفر شروط ديمومته واشتداده.

عمليات الترقيع والتجميل وشعار كل شيء من أجل المعركة، لم تعد تنطلي على أحد، ولا سيما مع تراكم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية الخانقة، وانغلاق الأفق السياسي وفرص العمل أمام الأجيال الجديدة.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر