الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

المواطنون 'X' وبؤس الاستشراق المصري

لا تخلو الساحة المصرية من مستشرقي ما بعد الثورة. بعضهم هواة دوغمائيون، وبعضهم أصابه عدم التحقق بشيء من السادية، فكره للبشر، وفرض عدوانيته وفائض يأسه على الآخرين.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/03/24، العدد: 9866، ص(8)]

بقدرتها على كسر التوقع، تجذب المفارقة عموم البشر. إلا أن المصريين فيسخرون من اقتران صفتين لا تضارب بينهما: الغباء والاندفاع، الحماقة والتهور. الصفة الأولى تؤدي إلى الثانية، ولكن التعبير “المصري” يسمي هذا النموذج: “غبي ومتعافي”، والأنسب في هذا السياق الفصيح عدم حذف حرف الياء من كلمة “متعافي”. المعنى نفسه إذا تجسد في شخص فهو “الجهل النشيط” على حد وصف أحمد بهاء الدين.

تثمر هذه الخلطة الناتجة من عنصرين متشابهين كائنا استشراقيا بامتياز، ولكنه استشراق منزوع الذكاء وإن لم يعدم الغرض، وتجسده مخلوقات البرامج التلفزيونية المصرية التي لم يخلق مثلها في بلاد الله. ولك أن تعجب من جلوس كائن تلفزيوني ثلاث ساعات متواصلة، متحدثا إلى الكاميرا، ناظرا في وجهك مباشرة. يدعي النطق بالحكمة وفصل الخطاب، ولا يتردد مرة واحدة ويتصنع التواضع فيقول “لا أدري”، أو “ربما”، وإذا قيّض الله له ضيفا حاصره بالأسئلة الموجهة، وتربص به ليجبره على النطق بما يريد الكائن التلفزيوني.

نجح هؤلاء، المواطنون “إكس”، في تقسيم المجتمع المصري، وترسيم الحدود بين جزره، فأصبحنا شعوبا وقبائل لا تتعارف، ولم يعد اختلافنا رحمة. ثم أظلت “تجليات” هؤلاء المصريين مجتمعات عربية أخرى بلهب الكلام، فأطلقوا الأحكام، وكان سهلا على مذيعة التلفزيون “إكس” أن تتهم نساء المغرب بما لا يليق، خوض مباشر في الأعراض، وتعال لا يمكن تفسيره إلا في ضوء “الجهل النشيط” الذي يسم كلام رجل الأعمال “إكس”، حين طالب “أي مصري بأن يستفرغ معي على شيء يلبس الثوب والعقال”.

لهذه الظواهر الاستشراقية إخوة غير أشقاء، ينقصهم التعفف عن الخوض مع الخائضين في مستنقعات سياسية يجهلون دروبها القذرة، ولا يجدون حرجا في “اللّغْوَصَة”، وترديد سقط الكلام.

هكذا كانت مباراة كرة القدم بين مصر والجزائر، في السودان (نوفمبر 2009) والمؤهلة لكأس العالم 2010 بجنوب أفريقيا، سببا في تجفيف بقايا الحكمة، واكتشاف كائنات استشراقية، مثلها الأعلى الكاتب “إكس”، إذ استعرض بخفة، غير لائقة بباحث تراثي، البؤس الذي قال إنه يغوص في نفوس “صحراويين لم تعرف بلادهم يوما نسمات التحضر”، في “ذلك البلد المسمى الجزائر”، ثم وجد جذورا للعنف الرياضي: “أتذكر.. كان معنا فى كلية الآداب طلاب جزائريون بالدراسات العليا، وكانوا والحق يقال مثالا للغباء والعنف الداخلي، والتعصب المطلق (أي التعصب لأي سبب) ومع أن المنح الدراسية المقدمة لهم، ويا للعجب، كانت مجانية، أي أن مصر (المحروسة) تقوم بسدادها عنهم، إلا أنهم كانوا لا يكفون عن التذمّر، لأنهم كانوا حانقين على بلدهم! لأنها (كذا!) أرسلتهم إلى مصر وليس إلى فرنسا، كآخرين من زملائهم”.

يحلو للمستشرقين المصريين لعب أدوار في تبرير أداء الساسة. استشراق يعكس البؤس العقلي والانحدار من مجاعة تاريخية تصيب القادم منها بمس رئاسي

لهذه الظواهر الاستشراقية المصرية آباء شرعيون وغير شرعيين. في أكتوبر 2003، وقف صنع الله إبراهيم على منصة دار الأوبرا المصرية، أمام أكثر من 200 مثقف عربي وأجنبي، بعد أن تسلّم جائزة ملتقى الرواية العربية، في دورتها الثانية. وضع الجائزة والشيك المالي على منصة صغيرة، وأخرج من جيبه ورقة. لم يكن يرتدي إلا قميصا فضفاضا يتسع لهذا البيان – الرصاصة، وأعلن رفضه الجائزة، وقدم حيثيات وسط تصفيق بعض أعضاء لجنة التحكيم أنفسهم (منهم محمود أمين العالم)، قائلا إنه يرفض الجائزة “لأنها صادرة عن حكومة غير قادرة على منحها”، واتهمها بالفساد والقمع والتبعية. أطلق صنع الله إبراهيم سهامه، وترك الجائزة والشيك، ولجأ إلى الجماهير في المسرح، فأربك وزير الثقافة فاروق حسني، والموظف الأعلى جابر عصفور.

في العام التالي ولدت حركة “كفاية”، وبين الحدثين نشر الكاتب “إكس” مقالا عنوانه “النسر”، وقد حلق في ثلاث صفحات في مجلة رسمية، تضم صورتين لحسني مبارك: “حفيد أخناتون وحور محب معا، نبي السلام وقائد الوغى… صوت الرئاسة لم يعد كلاسيكي النبرة يفتن دهماء العالم الثالث يثير فيهم الحماسة الخرقاء يبعث الهياج ضد المستعمر الغاصب، لكي يغطي بالطنين الحنجوري على الفراغ من المحتوى… صعودنا في حرب الكرامة في الثالث والسبعين من هذا القرن (عام 1973) بقيادة الرئيس مبارك”. وسيكون الكاتب “إكس” في حضرة حسني مبارك يوم 30 سبتمبر 2010، بصحبة أمثاله من المثقفين “إكس” أيضا، وسيعزفون مقالات استشراقية تشيد بحكمته، وأن “مصر في بعث جديد”، بفضل الشباب المتجدد للزعيم.

لا تبدأ معارك المشاة إلا بعد قصف مدفعي يفتح ثغرات للتقدم على الأرض. كان الاستشراق يقوم بمهام من هذا النوع، خدمة لزحف “كولونيالي” على الشرق. وفي مرحلة ما بعد الكولونيالية تواصل مراكز الأبحاث تضليل الساسة، وتمدهم بمعلومات غير دقيقة، فتعدهم مثلا بنزهة في عراق ما بعد صدام حسين، وهناك تكون “معجنة” تختلط فيها الدماء بالأوحال الساخنة بحرارة البارود.

كان الاستشراق التقليدي في خدمة التوسع الإمبريالي، يمهد بالبحث، غير البريء، سبلا لاستعمار ترك أثره بعد رحيل الجنود. ويحلو للمستشرقين المصريين “إكس” لعب أدوار في تبرير أداء الساسة. استشراق محلي يعكس البؤس العقلي والانحدار من مجاعة تاريخية تصيب القادم منها بمسّ رئاسي، إذا تعرض لأضواء القصر الجمهوري، في عهد حسني مبارك أو محمد مرسي أو عبدالفتاح السيسي، فيتطوع بتقديم خدمات تفسر الحماقات.

لا تخلو الساحة المصرية من مستشرقي ما بعد الثورة. بعضهم هواة دوغمائيون، يوزعون أنصبة الإنسانية والثورية والدين ذات الشمال وذات اليمين. بعضهم أصابه عدم التحقق بشيء من السادية، فكَره للبشر، وفرض عدوانيّته وفائض يأسه على الآخرين. بعضهم امتهن الحكمة بأثر رجعي، واستبدل بالقلق – وهو فريضة غائبة – مقولات وحكما من الكتب الصفراء، لعلها تريحه وتفسر قضايانا المعقدة التي كانت ستجبر الحكماء القدامى على الصمت، احتراما لقيمة العقل، حين يعجز عن التفسير.

حماقات السياسي تحتمل، ويسهل نسفها بمظاهرة أو “كتابة”، أو نكتة. ولكن حماقة المستشرقين “إكس” تعيي من يداويها.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر