السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

العرب وتسديد الفواتير

تقادمت الأحداث على أمة من الأشقاء، ارتمى كل منهم تحت خيمة، وتطوع كل منهم للنيل من شقيقه، وحمل الجميع أوزار الخطيئة، وتنكروا لأرومتهم، وارتكبوا الإبادات بحق شعوبهم.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/03/25، العدد: 9867، ص(9)]

استمرت العلاقات السورية العراقية على وتيرتها بعد الاحتلال الأميركي للعراق، رغم المتغيرات الحاصلة، ولجوء أعداد كبيرة من العراقيين إلى سوريا، بما يقارب المليون والنصف مليون لاجئ، حتى يوم 16 فبراير 2009 حيث تم تعيين أول سفير عراقي في دمشق، بعد قطيعة دامت 28 سنة، لكن بعد ستة أشهر وفي 25 أغسطس من ذات العام، تم سحب السفير إثر الأحداث الدامية التي طالت وزارة الخارجية في بغداد يوم 19 أغسطس 2009 واتهام سوريا بالتفجيرات وتصاعد الموقف إلى حدود تدويل الاتهامات.

بعد شهر من ذلك التاريخ، أي في سبتمبر 2009 اجتمع مجلس الوزراء السوري وأقر مشروعا يتضمن، تحويل أو جر نهر دجلة، بمسافة كيلومترات داخل الأراضي السورية بما يعرف بالمثلث التركي السوري العراقي.

الفكرة، تحويل مسار النهر عبر قناة ديوار الصناعية، ثم عبر نفق يخترق جبل كراتشوك، ثم تواصل السير في عمليات إروائية وقنوات وسدود، المشروع ضخم ونتائجه خطيرة على كمية المياه النازلة إلى العراق، والغاية إرواء آلاف الكيلومترات في سوريا وإعادة ضخ المياه إلى جوف الأرض، الأمر الذي يهمنا من الاشارة إلى ذلك أن تمويل المشروع وإعداد الدراسات حينها كان على نفقة دولة الكويت.

بعد سحب السفير العراقي، كتبت عن الخطأ والتسرع الذي ارتكبته الحكومة العراقية، ووردني رد مطول من وزارة خارجية العراق يؤكد على الظروف المحيطة بتعيين السفير وغيرها من التفاصيل، وكنت حينها أتابع الجهود الكبيرة للحكومة السورية في تطبيع العلاقات التجارية والاقتصادية، ومنها تطوير ميناء طرطوس لينافس ميناء العقبة الأردني، في استيعاب واقع مشاريع الإعمار القادم في العراق، وكذلك اختصار روتين الجمارك وتخفيض الضرائب وتسيير قطار لنقل البضائع من طرطوس إلى البصرة، لكن الحكومة العراقية كانت ترى في سوريا، الدولة التي تصدر الإرهاب إلى العراق وتؤوي القيادات المشمولة بقانون الاجتثاث، ولم تشهد العلاقات تحسنا إلا نهاية 2010، حيث تم إعادة سفير العراق إلى دمشق.

وبما يخص التمويل الكويتي لمشروع جر نهر دجلة إلى الأراضي السورية، ورغم تنبيهي لوزارة الخارجية العراقية، إلا أنه لم يلق اهتماما، والسبب قلة خبرة القائمين على الوزارة، وعدم قدرتهم على التحليل، وعدم وجود مجسات استشعار مدربة في إعلام السفارات، واعتمادهم على المحاصصة والبيروقراطيات المتعارف عليها في عمل الدبلوماسية العراقية، واعتماد الشكليات والمحسوبيات في التعيين، دون الالتفات إلى طبيعة العمل الدبلوماسي الذي يتطلب خبرة واستشعارا وحماسة وكفاءة وفطنة في الأداء.

لم ينتبهوا حتى تم نشر تفاصيل المشروع الذي أكد التمويل الكويتي له، في جريدة القبس الكويتية في عدد 25 أبريل 2010، أي بعد أكثر من ستة أشهر على إصدار قرار مجلس الوزراء السوري بتبني المشروع وإعداد الدراسات الأولية وبتمويل كويتي.

قبل أيام تابعنا التصريحات الإيرانية بدءا من علي يونسي مستشار الرئيس الإيراني الذي شكك باستقلال العراق معتبرا بغداد عاصمة لبلاده، وتبعه حسن هاني زادة رئيس تحرير القسم العربي بوكالة مهر الحكومية للأنباء الذي خيرّ العراق بين العروبة أو إسلام بلاده، وطالب عرب العراق بـ”نفض ثوبهم من الذل العربي”.

جاء تصريح لاريجاني رئيس مجلس الشورى الإيراني “سقوط نظام بشار الأسد في سوريا مقدمة لسقوط الكويت” وأردفه “افهموها كما شئتم”! ومنها التهديدات بعدم عرقلة طموحات إيران العظمى وإلا فإن العرب سينحسرون إلى مكة، كما كانوا قبل 1500 عام، أي قبل الإسلام، وأكد أن الكويت تمثل لهم عمقا استراتيجيا لا يمكن التنازل عنه.

وبين من يكذب ومن يفند، تأتي تلك التصريحات كتجارب اختبار لواقع عربي يحاول دفن رأسه في الرمال أمام الحقائق المقبلة، أو النظر تحت الأقدام تفاديا لرؤية الأفق المدجج بالتفريس والتلويح بالعصا لإمبراطورية فارس الإسلامية.

لنتابع الانقلابات السريعة في العلاقات السورية العراقية، فمن كان يصدر الإرهاب للعراق أصبح الحليف الأول في المنطقة، والكويت التي أرادت أن تمول جر نهر دجلة إلى الأراضي السورية تهددها إيران بالسقوط في حالة سقوط الحليف السوري، وعلى هذا المنوال يتم نسج السجادة الفارسية الكاشان، وتتبين لنا لعبة الزمن والصبر على الحياكة لتأتي النتائج متسقة مع الأهداف والصناعة.

منذ بداية الوعي في بداية الستينات، وأنا أشهد مخاوف العراقيين من العمالة الفارسية في الكويت، وما سيتبع ذلك من مخاطر على مستقبل عروبتها، وأتذكر أيام الحرب الإيرانية العراقية وما نالته الكويت من مخاطر وأهمها محاولة اغتيال أمير البلاد، وكيف أقدمت القيادة العراقية حينها بالانتقام للمحاولة وضرب المنشآت النفطية داخل إيران وعلى امتداد الخليج، حتى أطلق على ذلك اليوم “يوم الكويت”، لكن فيما بعد تم احتلال الكويت من قبل ذات النظام العراقي، يا لها من مفارقة في العلاقات العربية.

هل سنشهد احتلالا للكويت مستقبلا، من الأراضي العراقية، بصفته المحتلة من إيران؟ العراق اليوم جار مختلف والامتداد الإيراني يوحد المختلفين في بغداد ودمشق، وتبادل المصالح العامة، تم استبداله بمصالح المصير المشترك للإمبراطورية الفارسية الإسلامية التي أعلنت نفسها وصيا على المنطقة.

هكذا تقادمت الأحداث على أمة وعائلة من الأشقاء، ارتمى كل منهم تحت خيمة، وتطوع كل منهم للنيل من شقيقه والانتقام منه، وحمل الجميع أوزار الخطيئة، وتنكروا لأرومتهم، وارتكبوا الجرائم والإبادات بحق شعوبهم، لأجل سلطات وجاه زائل، وللنيل من أبناء الشقيق، وقطع الأرزاق، ومعها الماء.

ما وصلنا إليه كان بسبب العبث وإضاعة الوقت في مشاكلنا المزيفة، وعدم تناول المشاكل الحقيقية، وتم تبديد عقود من الزمن، كما بددنا الأموال الطائلة في غير محلها، وتعاملنا بإراقة الدماء كما نتعامل بهدر الماء.

اذا استمر الحال على ما هو عليه من ارتباك أمام الهراوة الفارسية، فنحن بانتظار لحظة الانسلاخ عن العروبة، واستبدال الرداء العربي بالزي الفارسي وتدشين الديمقراطية الجديدة.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر