السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

الأرنب والثعلب والطاعون

ماذا نفعل في الشرق؟ وقد جمع علينا الله عظيمُ الشان، في هذا الزمان، الاستبداد والطغيان، وطاعون البناديق من الدكّنجيّة والخطباء السابقين على منابر السلطان.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/03/27، العدد: 9869، ص(24)]

سأل أبو جعفر المنصور أحد معارضيه يوما: ما لكم لا تحمدون الله وقد رفع عنكم الطاعون بعد أن تولّينا الحكم عليكم؟ فقال الرجل: حاشا لله أن يجمعكم علينا أنتم والطاعون.

وبعد مشروع “الأرنب” الجاد، الذي تفتّق عنه ذهن بعض المعارضين السوريين من أهل المدن، والذي يقضي بشراء أرانب تركيّة ونشرها في الأراضي السورية، كي تحفر الجحور تحت الأرض وتسكنها، ليصطادها الجياع المحاصَرون من أهل الأرياف ويأكلوا منها، يأتي اليوم مشروع “الثعلب”، ويكاد الأمر يشبه الخيال العلمي، لولا أنه حقيقي.

فآخر ما أنتجه ذهن أبناء المدنيّة، بعد تدمير درعا وحلب وحمص وحماة ودير الزور والرقة والمساحات الشاسعة من الأرياف وتنفيذ أكبر تهجير في التاريخ لاثني عشر مليون سوري، يطرح مؤخرا بعض المسافرين إلى أميركا عن طريق شركات العلاقات العامة، مشروعا يناشد واشنطن فرض حماية دولية على العاصمة دمشق، بمن فيها، أي السلطة الحالية وحواشيها، وذلك حرصا على قيمة المدينة التاريخية، بالاتفاق السري مع أصحاب رؤوس الأموال الذين تمكنوا من الاستمرار بتحالفهم مع السلطات المتعاقبة.

ليأتي المشروع المقترح اليوم وينص على أن يضرب التحالف الدولي أي قوات تتقدّم نحو المدينة لتحريرها، أما الثعلب هنا، فدوره يأتي في تتمة المقترح، بحيث يقوم المعارضون بالتسلل من تحت سور المدينة المحميّة، وممارسة معارضتهم للأسد سلميا ورومانسيا وبمنتهى النعومة والأمان.

على أن مدن الشرق لا تشبه سواها من مدن العالم، فمدينة مثل بغداد بناها العراقيون بأيديهم، يعرفون متى تغفو وتستيقظ، ومدينة مثل القاهرة بناها المصريون مرارا حتى استعملوا أحجار الهرم لتشييد عمارات أوروبية في وسطها، وكذا بيروت والرياض والدار البيضاء وتونس، كلها تختلف عن مدينة موروثة مثل دمشق، لا يكاد يظهر فيها أثرٌ صنعه المنسوبون إليها اليوم، الذين تشكّلوا من مهاجرين جاؤوا من أصقاع الأرض، جمعتهم فيها ذهنية فريدة، ولم يجمعهم عرق أو قبيلة أو حزبٌ أو ثقافة مشتركة، فبرعوا في البيع والشراء.

لتصبح الحياة عندهم سلسلة من الصفقات العائلية والمجتمعية والثقافية والسياسية بالطبع، حتى ظهر فيهم “التشاطر” و”الحربقة” و”البندقة” وغيرها من فنون اللف والدوران، بينما كان الريفيون يقدمون إلى المدينة ليكتشفوها مثل مستشرقين مسحورين، وبعضهم أراد الاستيلاء عليها، فسهّل له حذق أهلها الأمر، والبعض من أبناء الريف، ممن لم يتمكنوا من فهم جمال المدينة وألقها، انتقموا منها ومن روح المدنيّة معا، حين حكموها عنوة.

ولكن من الذي جلب لنا كل هؤلاء الريفيين الذين حكمونا، من أمثال عبدالناصر وحافظ الأسد والسادات ومبارك وعلي عبدالله صالح والآخرين؟ ألم يكن أبناء المدن من المثقفين من أصحاب تلك المشاريع السياسية التي قامت على فكرتي الأرنب والثعلب معا؟ فوقفوا على مسافة من الحدث، ودفعوا بأبناء الريف إلى المحرقة، ألم يكن مؤسسو الأحزاب والحركات التي حكمت الشرق هم أبناء المدن وحدهم؟ هل خرج ريفيٌ يوما ما مشمّراً “كلابيّته” مبشّرا الناس بالوحدة والحرية والاشتراكية؟ أو بالأممية الحمراء؟

ماذا نفعل في الشرق؟ وقد جمع علينا الله عظيمُ الشان، في هذا الزمان، الاستبداد والطغيان، وطاعون البناديق من الدكّنجيّة والخطباء السابقين على منابر السلطان.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر