الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

العرب: الغياب والعتاب

اليمن لا يشكو فقط من الميليشيات الحوثية، بل يتهدده الإرهاب الداعشي وهنا تتنزل مجموعة استحقاقات على كاهل القوة العربية، منها إنقاذ اليمن من داعش، وإنقاذه من التقسيم.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/03/30، العدد: 9872، ص(9)]

لا تزال سياسات أقطارنا العربية مبنية على الانفعال وردّة الفعل حيال المشاريع التوسعية على ترابنا العربي، ولا تزال هذه السياسات تعاني من معضلتين على الأقل؛ وهي العجز عن استباق الخطر والتأخر في معالجته. بعبارة أدق مازال الأداء العربي محصورا في ثنائية “الغياب عن الملعب والعتاب على اللاعبين الإقليميين والدوليين”.

منذ عقدين من الزمان السياسي على الأقل، منذ حرب الخليج الثانية 1990 و1991، بات “الغياب” المعلن بمثابة السياسة العربية الرسمية في شؤون غالبية الأقطار العربية، التي استحالت جغرافيا توسّع ورقعة شطرنج في لعبة أمم كبرى.

اختار العرب، أقطارا وجامعة، سياسة “الغياب” عن السودان في وقت تمكنت فيه قوى الانفصال مدعومة من إسرائيل من شطره الجنوبي، ولم يتبق للعرب، جامعة وسودان، سوى توجيه العتب لتل أبيب التي حضرت عند غياب أهل السودان وجيرانه.

اعتمد العرب، عواصم ومنتظما إقليميا، الغياب عن ليبيا بعد سقوط معمر القذافي، فإذ بتركيا العثمانية، مؤيدة بقطر، تستبد بالمشهد السياسي والإعلامي والميليشيوي الليبي، وما كان للجامعة العربية سوى توجيه اللوم الخفيف لأنقرة مستنجدة إياها تجنيب ليبيا سيناريو “المكاسرات الإقليمية”.

في لبنان والعراق ووصولا إلى اليمن، اجتبى العرب، مشروعا ورابطة عروبية، الانسحاب من المشهدية السياسية والعسكرية، تاركين الملعب للاعب الشطرنج الإيراني للتوغل والتغوّل ولضمّ أربع عواصم عربية على الأقل (بيروت وصنعاء ودمشق وبغداد) تحت جبّة أولياء الفقيه ولنحت “وكلاء” إقليميين يمثلون خطّ الدفاع الأوّل عن طهران ورأس الحربة في المشروع الفارسيّ.

نجحت إيران على مدى سنوات ما يسمّى “الربيع العربي”، في تسجيل حضورها وفي ترسيم وكلائها كـ”أرقام صعبة” في المشهدية المحلية لكلّ قطر، الأمر الذي خوّلها مفاتيح “الإبرام والنقض” في تلك العواصم، فيما كان العرب، إعلاما ومثقفين، غارقين في تفسير ظاهرة “الثورات الملونة”.

اليوم فقط، تداعى بعض العرب لإنقاذ اليمن من المدّ الحوثيّ بتوجيه ضربات جوية تحت عنوان “الحزم” وهي عملية تستبطن في صلبها وتعترف في جوهرها بـ“الغياب” العربي عن اليمن السعيد. ذلك أنّ في هذا التداعي أربع رسائل على الأقل:

1 – أنّ السياسة العربية تجاهلت المدّ الإيراني القويّ والاستراتيجي لـ“الحوثيين”، الأمر الذي حولهم من مجموعة مسلحة انفصالية، إلى تنظيم مسلح انقلب على الدولة واخترق مؤسساتها الأمنية والعسكرية.

2 – السياسة العربية تجاهلت الخطر الاستراتيجي على المصالح السعودية والخليجية في حال إغلاق باب المندب من طرف الحوثيين أو إيكال المهمة للقراصنة.

3 – أنّ العرب، عواصم ودوائر اتخاذ قرار، لم يمانعوا في دخول اليمن زمن الميليشيات بطريقة شجعت على الانفصال الفيدرالي في الجنوب، والتمدد الميليشياوي المذهبي في الشمال، واستشراء الجماعات التكفيرية في كافة أرجاء الجسد اليمني.

4 – أنّ العرب، جامعة وتجمعات إقليمية، فضلوا الغياب بتسليم الملفّ اليمني لوسيط دولي –جمال بنعمر – عاجز عن التحرك صلب حقول ألغام سياسية ومذهبية، وقاصر عن بلورة حلّ دائم لا يضع الضمّادات على جرح غائر لم يندمل بعد. كنّا نتمنى أن يكون الفعل العربي استباقيا، يضمن حرمة اليمن وسيادته، ويحول دون الاستنجاد بالحلول العسكرية العربية في الأوضاع العربية.

والحقيقة أنّ اليمن لا يشكو فقط من “الميليشيات الحوثية”، بل يتهدد وجوده الإرهاب الداعشي وهنا تتنزّل مجموعة استحقاقات على كاهل القوّة العربية، من بينها إنقاذ اليمن من القبضة الداعشية والقاعدية، وإنقاذه أيضا من كافة سيناريو الانفصال والتقسيم.

فلا منطق لتدخّل عربي يقتصر الخطر على اليمن في الحوثيين ويتجاهل الميليشيات التكفيرية أو يتناسى “التفكير الميليشيوي” للانفصاليين الجنوبيين، فإن كان لا بدّ من القوة لضمان سيادة اليمن فلا بأس من مزيد من القوة لتأمين وحدة اليمن.

وإن كانت القوة العربية قد تداعت لإنقاذ اليمن من الخطر التوسعي الإيراني، فلماذا تنفرط ذات القوة في سبيل نجدة ليبيا من “الخطر الداعشي” ويصبح الاصطفاف العربي في اليمن جهدا عربيا محصورا فقط بين السعودية والإمارات ومصر.

كنا ننتظر من القمة العربية أن تضع القوة العربية المشتركة أمام التهديدات الحقيقية للأمن القومي العربي، فالتمدد الإسرائيلي والتركي والأميركي ليس أقل خطورة من التمدد الإيراني.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر