الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

الزقزقة الإباحية

لا أفهم منطق الطير مثل فريد الدين العطار، لكني واثق أن كلامها إباحي وعيب التعبير عنه علنا وبهذا الصوت الزاعق.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/03/31، العدد: 9873، ص(24)]

ساقتني قدماي المتعبتان إلى مقهى عشوائي في جبال العلويين قرب اللاذقية. النادل، وهو نفسه صاحب تلك المؤسسة، لم يكن عنده زبون يناكفه غيري. فراح يحدثني عن العقارات هناك.

قال إن المنطقة يسودها الهدوووء، هكذا بمط الواو لدى نطق كلمة هدوء كما يفعل العرب كلهم ودائما للتعبير عن السكون المطلق. وقال: لن تسمع هنا غير زقزقة العصافير. لا يعرف أن أكثر المخلوقات التي تزعجني هي العصافير وزقزقتها، ولأوضّح.

عندنا في بيتنا، جنوب إنكلترا، حديقة جميلة يسودها الهدوووووء والصمت المطلق. تأتي العصافير في موسمها وتنتشر في أرجاء الحديقة. تجلس ستة عشر منها على أغصان شجرة الإجاص، وعشرة على شجرة الغار وثلة على أيريل التلفزيون ومجموعة عند المدخنة.

تتجاذب أطراف الزقزقة بشكل عجيب. الذي يجلس في شجرة الإجاص لا يتحدث إلى آخر بالقرب منه، بل يخاطب واحدا جالسا فوق المدخنة والذي فوق المدخنة يحادث من على شجرة الغار، وهكذا.

لا أفهم منطق الطير مثل فريد الدين العطار. لكني واثق أن كلامها إباحي وعيب التعبير عنه علنا وبهذا الصوت الزاعق. كله دعوات إلى التناسل وقلة الأدب. كلها فاجرة ما عندها مسحة من الحياء. كل هذا في حديقتي.

تصوروا لو أن البشر في المقاهي والبارات يتحدثون كل واحد إلى أبعد شخص عنه. الذي عند المدخل لا يخاطب إلا من في قعر المحل بصوت زاعق، والذي في القعر يكلم من وسط المحل.

لا يوجد اثنان جالسان إلى جنب بعض يتحادثان والحديث كله دعوات إلى قلة الأدب.

هل عرفت إنسانا يبني بيتا كاملا من الحوائط حتى الأبواب والشبابيك بأن يسرق كل ما يحتاجه للبناء من أملاك الآخرين؟ هكذا تبني الطيور أعشاشها. البناء والأثاث كله سرقة ودون خجل. تنبش العشب لتقتطع أجزاء منه للبناء والتعمير. تسطو على الأغصان والزهور وقطع من لحاء الأشجار لبناء عش الزوجية وتنشئة الصغار.

تتعامل مع حديقتنا على أنها بوفيه مفتوح. تأكل من كل شيء دون استحياء أو طلب اذن أو ترخيص.

هكذا تأكل بذور الورد وبراعم أزهار الإجاص. وحين ينضج الإجاص وتسقط ثماره على الأرض تنقرها بمناقيرها لإحداث ثقب تتسلل منه بكتيريا الهواء ليتخمر ويصبح كحوليا ثم تأتي لتسكر به ويزداد شبقها ودعواتها الإباحية تلك.

في السنين الأخيرة راحت تحاول تقليد رنّة “نوكيا” المكونة من ثلاث عشرة نوتة. صارت تجيد الأربع نوتات الأولى. فبسبب الموبايل انتقل صوت رنة الهاتف إلى الطبيعة وصار يُسمع في الحدائق والغابات والحدائق. طبعا شبقها أدى بها إلى فهم الرنة على أنها دعوة جماع.

صرت أخاف أن يرن هاتفي في الحديقة فيأتي عصفور ملبيا ما يراه دعوة إباحية فيقفز على هاتفي. حينذاك، وأتعهد أمامكم، سأكسر رقبته، يمينا صادقا. فأنا أذود بحياتي لصون عرض موبايلي.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

:: اختيارات المحرر