الخميس 24 اغسطس/اب 2017، العدد: 10732

الخميس 24 اغسطس/اب 2017، العدد: 10732

سلطان القانون بديلا لجيش 'الدعاة'

العلمانية وعي نسبي بشري في ما هو بشري، هي 'المنقذ من الضلال'، الضامن لسلامة الدين من اللمم، من التأويل الانتهازي المغرض للدين، أي دين.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/04/01، العدد: 9874، ص(8)]

لا تخلو طقوس البيع والشراء، في السياق المصري، من كلمتي “جُمْلة” و”قطّاعي”، ويمكن الذهاب بالكلمتين إلى ما هو أبعد وأبقى، فنوصي من نحب بأن يقبل من يحب “جملة”، بعيوبه ومزاياه. وفي الوقت نفسه نوصى من نحب ومن لا نحب بضرورة أن يأخذ من أفكار من يختلف معهم “قطاعي”، فلا يخلو إنسان من فكرة مفيدة، ولو من غير قصد، وكل مخلوق “يؤخذ من كلامه ويرد”، كما قال الإمام مالك.

لن أذهب بعيدا، وأقترب من ابن الراوندي في ثنائية الوحي والعقل، وإنما سأذهب إلى ابن تيمية وأزايد على المغرمين به، وأستند إلى مقولته الصادقة “إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة”. وأستدعي أيضا مقولة أمير المؤمنين عثمان بن عفان “إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”، وكان مصرعه التراجيدي تطبيقا لها، فقد تخلى عن عدالة سلفه عمر بن الخطاب، ودفعته طيبة زائدة، لا تؤهله لمنصب قيادة دولة، إلى تولية عدد من أقاربه، وجرى تذمر وتمرد أشعل الفتنة الكبرى التي لم تخمد نيرانها إلى اليوم.

أستدعي ثنائية السلطان والقرآن، وقد تجسدت تماما بعد خلع حسني مبارك (2011)، إذ خلا الفضاء المصري من “سلطان” الدولة والقانون، فسارع إلى شغل ذلك الفراغ نحو مليون “داعية”، من السلفيين التكفيريين والسلفيين الدعويين والإخوان ورجال الأزهر، فوق منابر المساجد في خطب الجمعة، وخطب ما بعد صلاة الجمعة، وخطب شهر رمضان من بعد المغرب إلى صلاة التراويح، وخلال التراويح التي تستمر حتى مطلع الفجر، وتضيق المساجد بمصلين يصطفون للصلاة وسماع الخطبة على الأرصفة، تظللهم ميكروفونات تنقل ما يأمر به الخطيب من معروف وما ينهى عنه من منكر. وبعيدا عن المساجد صارت البرامج الدينية منصات للفتوى، تصحبك من البيت إلى وسائل المواصلات، إلى مكبرات للصوت تبثها لقوم لاهين عنها، منشغلين بدنيا يصيبونها.

ولكن قشرة ذلك الهوس الديني كانت تخفي وحوشا ضارية، لا يردعها “القرآن” في غياب “السلطان”. رأينا كيف تفنن الناس في ارتكاب ما شاء لهم خيالهم وقدراتهم من موبقات بالتوازي مع التفنن في إظهار النفاق الديني – الاجتماعي. حين اختفى “السلطان” لم يكن “القرآن” رادعا. ولعل المصريين لم يتفقوا من قبل كما اتفقوا على “السعار العام” بقضم الطرق العامة، واقتطاع مساحات من الأرض الزراعية والبناء المخالف عليها، وردم أجزاء من نهر النيل، وتلويثه بالمخلفات، سلوك أقرب إلى الكفر بما وقر في عقيدة المصري القديم وصدّقه العمل، إذ كان يستبق اليوم الآخر بشفاعة قسم شهير، سجلته “متون الأهرام”؛ “أنا لم أشرك بالإله. أنا لم أعق والديّ. أنا لم ألوث ماء النيل”، بهذا الترتيب؛ “وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه، وبالوالدين إحسانا”، وكان النيل “حابي” ينبع من جنة عرضها الخيال.

لم يقتصر الأذى على الحجر، فامتد إلى البشر. هدم أضرحة لا يعبدها أحد من دون الله، وتدمير تمثال طه حسين في مسقط رأسه بمحافظة المنيا، وادعاء مهندس سلفي أن أدب نجيب محفوظ “يشجع على الرذيلة… محفوظ أحد المسؤولين عن الانحلال الخُلقي… وصل الانهيار إلى أن الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح يروح لنجيب محفوظ قبل أن يهلك، ويطالبه بإعادة نشر أولاد حارتنا”. وطال البغي والعدوان كنائس في عموم البلاد، من العاصمة إلى أسوان في أقصى الجنوب. وأمام اعتراض أهالي “قنا” على تعيين محافظ مسيحي، لم يجد المجلس العسكري المرتبك بدا من تهدئة وقودها مشايخ، هم أنفسهم رموز فتنة تحرض على هؤلاء “الضالين. حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير”. وفي ظل غياب “السلطان” تناسى هؤلاء “الدعاة” آيات الرحمة والإحسان في “القرآن”، واستبدلوا بها استعلاء وغلظة في القول وفجاجة، وكذبا صريحا قاله سلفي لا أعرف ماذا يفعل؟ ولا من أين ينفق على نفسه؟ اسمه أبو إسحق الحويني.

ادعى الرجل الحويني أن هدى شعرواي (1879 – 1947) ابنة علي شعراوي، وأنه استقبلها حين عادت من أوروبا وفوجئ بها وقد خلعت الحجاب.

لا يعلم الرجل الحويني أن هدى شعراوي ابنة محمد سلطان، وأنها زوجة علي شعراوي. لم تخلع “الحجاب” بمجرد العودة، بل ظلت محتفظة به، شأن نساء الطبقة العليا، رغم نشاطها السياسي في ثورة 1919، ثم خلعته هي وزميلتها سيزا نبراوي في استقبال سعد زغلول عام 1921، وقد فوجئت هدى شعراوي بأن أحدا لم تشغله رؤية وجهيهما. كان ذلك هو “السفور”. وسجلت في مذكراتها “وتلفتنا لنرى تأثير الوجه الذي يبدو سافرا لأول مرة بين الجموع فلم نجد له تأثيرا أبدا”.

أما لماذا لم يندهش أحد، فقد استعرضت ذلك في مقال عنوانه “المصريات لا يعرفن تحرير المرأة”، في “العرب” 10 مارس 2015، قلت فيه إن “الحجاب” كان سلوكا ومظهرا طبقيا لنساء أرستقراطيات يتشبهن بتقاليد الاستعمار العثماني، أما المرأة “المصرية” في القرى والأحياء الشعبية فكان وجهها سافرا، وليس كما زعم الرجل الحويني بقوله لبسطاء خائفين على الإسلام من سفور وجه المرأة، فطمأنهم بقوله “ولكن العرف آنذاك (قبل ثورة 1919).. كان وجه المرأة كفرجها”، إن يقول إلا كذبا.

لم يكن عبثا أن تزيد نسبة الإلحاد في مصر بعد الثورة وصعود اليمين الديني، فالتجربة كشفت المسافة بين بريق النظرية في مثاليتها، والتطبيق العملي في قبحه وتناقضه.

ما ذهب إليه ابن تيمية وعثمان بن عفان هو ما اكتشفته أوروبا بعد قرون من حروب دينية دامية، واهتدائها إلى نموذج علماني لا يسأل أحدا عن دينه أو مذهبه، وإنما يحترم الإنسان لآدميته، فالعلمانية وعي نسبي بشري في ما هو بشري، هي “المنقذ من الضلال”، الضامن لسلامة الدين من اللّمم، من التأويل الانتهازي المغرض للدين، أي دين.

في ظل العلمانية الغربية يعيش أتباع أي دين آمنين من ملاحقة وتضييق لا يأمن معهما متدينون مسالمون في العالم الإسلامي، العربي منه وغير العربي، من إيران إلى مصر. ولكن أوهاما مثل “الخلافة” تنسي البسطاء أن الدين متين، وأن الخليفة المعتصم كان نموذجا للحاكم العلماني، وهم ينسون تاريخه باستثناء صيحة امرأة: وامعتصماه!

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر