الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

القوة المشتركة والعمق الاستراتيجي العربي

من واجب القوة العربية الحالية أن تبحث عن المشروع الإستراتيجي الشامل وقبل ذلك أن تؤصل لعمق استراتيجي عربي بلا طائفية ولا مناطقية، ولا حياد فيه مع الإرهاب.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/04/02، العدد: 9875، ص(9)]

قد يكون تفعيل العمق الإستراتيجي للقوة العربية المشتركة الأولوية الأهمّ في سياق تحديد مفهوم “الأمن القومي العربي”، والحيلولة دون توظيف القوة في حروب بالوكالة على الأرض العربية.

ذلك أنّ العملية العسكرية المشتركة تحت اسم “عاصفة الحزم” في اليمن تستقي شرعيّتها لا فقط من محاربة الفعل الميليشيوي الحوثي الساعي لإسقاط صنعاء وإلحاق اليمن بمنظومة العواصم التابعة لطهران، وإنّما أيضا، وهذا هو الأهم، من مقاومة كافّة الأخطار الإستراتيجية المهددة للأمن القومي العربي والتي يمثّل التمرد الحوثي أحد أشكالها فقط ولا يمثلها جميعا.

خروج “القوة العربية المشتركة” التي تمّ تشكيلها في القمة العربية الأخيرة بشرم الشيخ من سياق الجدل القائم حولها، كامن في استجاباتها، الهجومية والدفاعية، ضدّ كافة الأخطار الاستراتيجية التي تهدّد العالم العربي، وأهمّها على الإطلاق الخطر الإسرائيلي الذي لابدّ أن تتيقّن دوائر اتخاذ القرار صلب تل أبيب أنّ “عاصفة الحزم” ليست طبخة إستراتيجية لتغيير العدو الإسرائيلي بالعدو الفارسي، أو ليست أيضا ردّة أخلاقية تبتغي طمس بوصلة الصراع في العالم العربي أو حرفها عن وجهتها الأصليّة، وتحويرها عن التناقض الإستراتيجي والمبدئي الأصلي مع تل أبيب.

فلئن ابتغت القوة العربية المشتركة المحافظة على أمن الأقطار العربية والحيلولة دون سقوط العواصم العربية الواحدة تلو الأخرى في الأحضان الإسرائيلية والتركية والإيرانية، فهذا يستدعي بالأساس تفعيل العمل العربي المشترك في ثلاث نقاط على الأقل وهي:

1 – الوصول إلى “إجماع مفاهيمي” حول “الجماعات التكفيرية” والدول المهددة للأمن القومي العربي يحول دون التناقض العربي في قطر، والتحالف في قطر ثان.

2 – عدم الاكتفاء بمحاربة التوسّع الإقليمي للدول الكبرى في العالم العربي، وإنّما البداية ببناء مشروع إقليمي عربي، بأبعاد اقتصادية واجتماعية وسياحية وثقافية وإعلامية، يكرّس البديل العربي.

3 – التوصل إلى “ميثاق عربي” ملزم بالالتجاء إلى المنتظم العربي دون تدويل القضايا المحليّة ودون استنجاد بالفضل السابع من مجلس الأمن.

واحد من أهمّ الاستحقاقات المفروضة على القوة العربية المشتركة كامن في إقناع الرأي العام العربي بأنّ الفضاء العربي المستباح، عسكريا وسياسيا واستراتيجيا، صار مسيّجا ومؤطرا بقوة محلية وإقليمية تدفع عنه المخاطر الإقليمية وتدافع عما تبقى من المصالح العربية.

هنا تنتصب عدّة معادلات تحكم على القوة العربية بالنجاح أو الفشل. أوّل هذه المعادلات متمثلة في إخراج “القوة العربية” من فضاء “الظرفية” المكانية والزمانية الحالية إلى الديمومة والاستمرار، حيث أنّ الذي يستدعي التدخل في اليمن متشكل بوضوح في ليبيا والعراق وسوريا، حيث العمل الميليشيويّ يهدّد لا فقط بإسقاط العواصم وإنما أيضا بتحويل هذه الأقطار إلى كيانات فاشلة.

الخروج من “الظرفي” إلى “الإستراتيجي”، يفرض أيضا معادلة ثانية قائمة على سحب منطق “عاصفة الحزم” القائم على فرض الحوار والسلام من خلال العمل العسكري في فلسطين المحتلة حيث لا تزال إسرائيل تأبى الانخراط في تسوية سياسية مع منظمة التحرير الفلسطينية وتضرب عرض الحائط بكافة التفاهمات الموقعة مع السلطة الفلسطينية، وكذلك في ليبيا حيث تسيطر ميليشيات تكفيرية، تعمل بالوكالة لأصيل إقليمي تركي قطري، على العاصمة السياسية طرابلس.

مروحة الخيارات أمام القوة العربية المشتركة من شأنها أن تؤمن معادلة ثالثة مهمة للغاية وهي النأي عن “الطائفية” العسكرية والسياسية، ذلك أنّ تدخل ذات القوة في فلسطين المحتلة والعراق وليبيا وعدّة أقطار عربية مهددة بالأخطار الإقليمية من شأنها أن تبرق رسالة طمأنة بأنّ الدافع من الحراك ليس الطائفية، وإنما الحيلولة دون المذهبية السياسية ومأسسة الطائفية.

كُتب لـ“قوة الدفاع العربية” النجاح، فكرة ومبدأ، لتعلقها بهدف إستراتيجي ومشروع عربي شامل، سطره جمال عبدالناصر، يبدأ بالتحرير وينتهي عند الوحدة. ومن واجب القوة العربية الحالية أن تبحث عن المشروع الإستراتيجي الشامل وقبل ذلك أن تؤصل لعمق استراتيجي عربي بلا طائفية ولا مناطقية، ولا حياد فيه مع الإرهاب سواء كان ميليشيات تكفيرية أو مذهبية أو صهيونية.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر