الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

طاب خلف؟

لا تحتمل الحياة النفاق، ولا تتطلبه أصلا، فالحقائق أقصر الطرق، وقد مرّ بالمجتمعات العربية دهر طويل، ألفَ الناس فيه النفاق، حتى صار عرفا.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/04/03، العدد: 9876، ص(24)]

طاب خلف؟ سؤال بريء طرحتُه قبل أكثر من عشر سنين، فتحوّلت الكلمتان إلى مثل دارج بين الصحفيين، يتبادلون بها التحية والسؤال عن أي شيء، ويضعون خلف تورية لما يسألون عنه، ولم أكن السبب في شيء، فقد كان سؤالي ذاك نقيا جدا، وقد طرحته على أحد الصحفيين المنافقين، ممن يحومون حول كل ذي سلطة، وكان خلف هو رئيس تحرير إحدى الصحف الرسمية حينها، ولم تكن بيني وبينه أي مشكلة، فقط طرحت السؤال لعلمي أنه مريض، ولعلمي أن المنافق قريبٌ منه، فقلت أطمئن على صحة الرجل، ولكن المفاجأة كانت، أن الذي سألته، انتفض وأخذ يرغي ويزبد ويرتعد، وقال كيف تسألني عن الدكتور خلف بهذه الطريقة؟، هو الدكتور خلف، صاحب التاريخ الإعلامي الطويل، والسيرة العطرة، والنضال الحزبي، فقلت يا أخي، سؤالي كان للاطمئنان، ولم أقصد شيئا، فهل “طابْ خلف؟”.

فأخذ الرجل يتنافض ويتقافز، ويقول لي: وتعيدها؟ تقول “خلف” مرة أخرى! أنت لا تتقن أصول التعامل مع الشخصيات القديرة ذات الثقل الوطني، فتعجبتُ من جديد ورفعت حاجبي للحظات، وعدت إلى المحاولة: يا أستاذ، ليس الهدف التقليل من احترام رئيس التحرير، فبيني وبينه صداقة قديمة، وأعرفه قبلك، فأجبني من فضلك “طاب خلف؟” أم لا؟ فأعطاني الرجل محاضرة في أصول النفاق وانسحب.

وبعد يومين كتبتُ ما حصل معي في مقال قصير، فانتشر كالنار في الهشيم، فقرر المنافق أن يشكوني إلى وزير الإعلام والمدير العام ولم يترك بابا في الدولة لم يطرقه لأجل هذا حتى باب خلف ذاته، وكان كل من يشكو إليه، يضحك ويحفظ السؤال ويستعمله مع أصدقائه.. “طابْ خلف؟”.

وكان ابن القيم قد كتب في مدارج السالكين في تحفته “المقامة النفاقية” يصف المنافقين: “كاد القرآن أن يكون كلّه في شأنهم، لكثرتهم على ظهر الأرض وفي أجواف القبور، فلا خلت بقاع الأرض منهم لئلا يستوحش المؤمنون في الطرقات، وتتعطل بهم أسباب المعايش، وتخطفهم الوحوش والسباع في الفلوات، سمع حذيفة رجلا يقول: اللهم أهلك المنافقين فقال: “يا ابن أخي لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم من قلة السالك”.

وابن القيّم عالم جليل، برع في مختلف الفنون والآداب، كنتُ قد زرت قبره في مقبرة باب الصغير في دمشق، فوجدته مرميا خارج السور عند الباب، مهملا منسيا وكأنه من عامة الناس، لكن كان على مرمى حجر منه عالم عملاق آخر تجاهله الزمن، إنه الفارابي العظيم، الذي يعود الفضل إليه في إدخال مفهوم الفراغ إلى علم الفيزياء، وكان ممن تأثروا به ابن سينا وابن رشد. ولولا لهفة أهل موطنه الأصلي واهتمامهم بترميم ضريحه لبقي مهملا هو الآخر.

لا تحتمل الحياة النفاق، ولا تتطلبه أصلا، فالحقائق أقصر الطرق، وقد مرّ بالمجتمعات العربية دهر طويل، ألفَ الناس فيه النفاق، حتى صار عرفا، مع أن بعض يوميات ثقافتنا قدّمت لنا النفاق على أنه إبداع أدبي، كما حين لم يجد المتنبي شيئا يصف به كافور الإخشيدي الذي كان حالك السمرة، فأراد أن يظهره واحدا من أولياء الله الصالحين مشرقا على العباد، فقال يخاطبه “إنّما الجِلدُ مَلبَسٌ وَابيضَاضُ الـنّفسِ خَيرٌ من ابيضَاضِ القَبَاءِ/ تَفضَحُ الشّمسَ كلّما ذرّتِ الشمـسُ بشَمْسٍ مُنيرَةٍ سَوْداءِ”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر