الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الإنسانية المستباحة في العراق

لم تكن خصوصية معركة تكريت ناجمة عن تفردها بخصوصيات جيوسياسية فحسب، بل إن الخصوصية المهمة مرتبطة بالحس الطائفي الانتقامي الصادر عن بعض المتطرفين.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2015/04/06، العدد: 9879، ص(8)]

لا ضمان ولا أمان على الحياة والممتلكات، هكذا حال العراقيين منذ نصف قرن بسبب أزمة أنظمة الحكم وحروب بعضها العبثية. والصفحة الأكثر قساوة بدأت منذ احتلال أميركا للعراق عام 2003 ومستمرة لحد اليوم. فقوات الاحتلال وحلفائهم حللوا قتل المواطنين الذين قاوموهم، وحصلت مجازر يدمى لها جبين الإنسانية خصوصاً في مدينة الفلوجة التي لم يهدأ ويستقر أهلها منذ ذلك التاريخ، إلى جانب ما اقترفته مجاميع مأجورة أو فرق مليشياوية تابعة لأحزاب معروفة من عمليات قتل واختطاف تجاوزت هذه المدينة إلى مدن أخرى. ولا تمر فرصة إلا وتستغل نزعات الكراهية لفتح نهر الدم وفق تبريرات طائفية واهية.

توسعت الدائرة لتشكل خارطة امتدت من بغداد شمالا وغربا مرورا بأقضية ونواحي ومراكز ما سمي بالمحافظات العربية السنية، وأهلها ليسوا وافدين مستعرقين، وإنما هم إلى جانب أخوتهم من الطائفة الشيعية يشكلون الهويّة الحقيقية لهذا البلد. ولم تتمكن الحكومات المتعاقبة وخصوصاً حكومة نوري المالكي من إيقاف مسلسل الموت والتهجير الجماعي على الهويّة، ولم تعتقل أو تحاسب قضائيا المجرمين القتلة، في ظل سياسة الإفلات من العقاب، بل تصاعدت موجة الاحتراب الطائفي بدرجات وأشكال مختلفة أخطرها ما حصل بعد استرداد مناطق ديالى وحاليا في تكريت بعد طرد داعش التي واجه أهلها عمليات انتقام بشعة على أيدي ميليشيات الحشد الشعبي في عمليات حرق الدور ونهب الممتلكات بعد ما لاقاه أهل المدينة من آلام التشرد في ظل غياب الرعاية المفترضة من قبل الحكومة، فقد امتدت مخالب الفساد إلى المخيمات، مع متاجرة رخيصة من بعض السياسيين المحسوبين على العرب السنة.

سبق لمنظمة هيومان رايتس أن وثقت حالات حرق وتدمير ونهب منازل في مدن بارملي وأقضية تابعة لصلاح الدين قبل محرقة تكريت الحالية. وأعلنت المنظمة أن هناك انتهاكات لداعش ترقى إلى جرائم حرب، وقال نائب مدير قسم الشرق الأوسط في المنظمة جوسترك خلال مؤتمر صحفي “يواجه العراق بوضوح تهديدات خطيرة في نزاعه مع داعش، ولكن الانتهاكات التي ارتكبتها القوات التي تقاتل داعش متفشية وشنيعة بحيث أنها تهدد العراق على المدى الطويل”. والعراقيون عالقون بين الويلات التي ترتكبها داعش والسلوك التعسفي من قبل المليشيات.

ومع أن هذه الاعترافات الدولية بوجود انتهاكات ضد حقوق أبناء العرب السنة، لا تخفف وطأة الجرائم، لأنها تقارير وصفية، لم تصل إلى أروقة مجلس الأمن الدولي أو محكمة العدل الدولية لمحاسبة المجرمين وملاحقتهم، بعد أن عجزت القوانين المحلية العراقية عن تحقيق ذلك، وهناك لعب سياسي بهذه القضية الإنسانية. فبعض وجهاء هذه المناطق من التشكيلات العشائرية السنية منقسمون إلى فريقين: الأول يقلل من وطأة الجرائم ويعتمد توصيفات غير واقعية، وهذه النماذج من المنتفعين معروفين لدى أهل المدن المستباحة، وهم اليوم منسحبون من المواجهة بعد اقتراب الكارثة من جرائم الحرب. والفريق الثاني يمثله أولئك المتعايشين مع أهلهم ويلاقون ما يلاقونه من انتهاكات صارخة، وصوتهم لا يسمع، بل يفسر تفسيرات مغرضة وكيدية. أما المواطن الضحية فالسكين تحز رقبته ويطلب منه ألا يصرخ، لأن صرخات الألم تفسر تفسيرات مغرضة بعيدة عن الواقع.

لقد جرت تنبيهات كثيرة من الحريصين على الوطن مما يمكن أن يحصل من انتهاكات خصوصا في تكريت، وتمت المطالبة بتنفيذ مهمة “مسك الأرض من قبل أهلها”، لكن ذلك لم يحصل حسب تصريحات أهالي المدينة ونظمت أعداد لا تتجاوز المئات في ما سمي بالحشد المحلي ليشكلوا غطاء لتلك الانتهاكات اللاحقة. كانت الردود تقول رغم حدوث تلك الانتهاكات إلى أنها فردية ولا تمس الحشد الشعبي بل المليشيات، مع أنه لا يمكن تحديد الفوارق بين هذه التوصيفات الصادرة من حيدر العبادي الذي يعلن دائماً بأنه يوجه بمنع تلك الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها.

لم تكن خصوصية معركة تكريت ناجمة عن تفردها بخواص جيوسياسية وبالون اختبار للمعارك اللاحقة في شمالي العراق وغربه فحسب، بل إن الخصوصية المهمة مرتبطة بالحس الطائفي الانتقامي الصادر من بعض المتطرفين وأصحاب النوايا السياسية اللاحقة التي تستهدف حكومة العبادي قبل غيرها. وهي مسألة خطيرة كبيرة ملمحها الميداني تعريض العائدين إلى صدمة فقدان المسكن والممتلكات، وكذلك القتل الطائفي بعد تشريد بعضهم لمدة سنة في تكريت والموصل وسامراء، وسنتين لأهل الأنبار. فأبناء تكريت هربوا من جرائم داعش، ليتلقوا جرائم جديدة تحت غطاء طائفي، حيث تتم عمليات حرق البيوت بطريقة انتقامية ثأرية ونهب الممتلكات سهلة النقل، ولعل الدلائل لا تغطيها التبريرات، حيث هرب رئيس وأعضاء مجلس المحافظة من مدينتهم، وأخذت الأحاديث تتواتر عن جرائم تصل إلى مرحلة جرائم الحرب. وهذا ما سيؤدي إلى تداعيات خطيرة للمعارك المقبلة في كل من الأنبار والموصل إن لم يتخذ العبادي إجراءات تتناسب وضخامة هذه الاستباحات.

لا بد من قرارات سياسية تفصل أمام العراقيين وبمسؤولية كاملة بين الروح الفدائية للشباب الذين نفذوا فتوى المرجعية الشيعية في قتال داعش كمحتل، وبين الاستثمار السياسي المغرض لما بعد داعش من قبل المليشيات ومراكز قواها السياسية التي تسعى إلى تحويل المعركة الوطنية إلى معركة طائفية لاستثمارها سياسيا، مما سيؤدي إلى تداعيات خطيرة ليس من المبالغة القول بأن أحد سيناريوهاتها إحداث انقلاب سياسي في أركان العملية السياسية، وإزاحة العبادي الذي قدّم لحد الآن نوايا جيدة، ويسعى إلى تحقيقها، لكنه يواجه هذا الضغط الهائل الذي سيصل إلى نقطة الصدام بين الاعتدال والتطرف السياسي الشيعي، وهو سيناريو فيه تفصيلات قد تكون مثيرة في هذه اللحظة التاريخية في حياة العراق لما بعد داعش.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر