الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاستبداد يتفنن في صنع أعداء وهميين

ننتقد الإجرام باسم الإسلام، ولا ننسى أن هذا مخاض مرت به شعوب أخرى في مفترق الطرق، بين وصاية رجال الدين ومشروع الدولة.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/04/07، العدد: 9880، ص(9)]

قدم صبي القهوجي كتابا عنوانه “قادة الغرب يقولون: دمروا الإسلام أبيدوا أهله”، وسأل بخوف عما إذا كان الغرب “الصليبي الكافر” ينوي بالفعل تدمير الإسلام، وإبادة المسلمين. كنا في مقهي بشارع فيصل، يتنزل علينا آذان العشاء من مساجد وزوايا خصصها أصحابها للصلاة، لكي تعفيهم من الضرائب، ويتداخل صوت مؤذن نديّ الصوت بآخر قبيح، والناس لاهون عن الصلاة، وعن الله في علاه، بالسعي على الرزق، أو التلصص على مفاتن للنساء تختفي تحت حجاب ونقاب، وبعض الصبية في التوكتوك يتحرشون بالبنات، وهم جاهزون للهجوم، بسب الدين، على من ينهاهم ولو بالحسنى عن الأذى.

ولكن مظاهر القبح التي اعتادها القهوجي، في الشارع وفي السلوك اليومي لجيرانه المسلمين، لم تعد من أسباب ضيقه، ولا يبالي بها، بعد نجاح “رجال الدين” في اختلاق شيطان وهمي يصرف اهتمام القهوجي وأمثاله عن بيت يوشك أن ينهار، ويشغلونهم بترقب عدو لا يأتي، ولا يختفي، فهذا الكتاب المعمّر قرأته في صباي، وربما لم تكن تلك طبعته الأولى التي أثارت ضيقي، وجعلتني ألعن عالما يتكالب على المسلمين، ولولا أن نسخة القهوجي كانت جديدة لظننتها تلك الطبعة القديمة من كتاب عابر للأجيال، ضامن لاستمطار اللعنات على الغرب “الكافر”.

من يتخذ “الدين” مهنة، “يمتهنه” لزوم أكل العيش، يعمد إلى إلهاء الناس عن بؤس واقعهم، باختراع عدو، وشيطنته. الشيطان أحيانا هو الشيعة فيكون قتلهم جهادا والتمثيل بجثثهم واجبا في يونيو 2013، ويكون الهجوم على صحيفة “شارلي إبدو”، يوم 7 يناير 2015 في باريس، وقتل 12 نفسا حرم الله قتلها، انتقاما للإسلام خارج أرضه. وقد قرأت مراجعة 52 عددا من الصحيفة في عام 2014، كالتالي:

35 غلاف سخرية من السياسة الداخلية الفرنسية.

10 أغلفة سخرية من اليمين المتطرف المعادي للعرب والمسلمين.

غلافان للسخرية من المسيح ورجال الدين المسيحي.

غلاف سخرية من الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.

غلاف يظهر فيه كائن داعشي متوحش. وهو الغلاف الوحيد ذو الصلة بالإسلام. وبدلا من تبرئة الدين من استحلال القتل باسمه، تضاف طبعات جديدة من كتاب “قادة الغرب يقولون: دمروا الإسلام أبيدوا أهله”، فينصرف الخائفون على الدين عن مظاهر استبداد سياسي يسحق إنسانيتهم.

من يتخذ “الدين” مهنة، “يمتهنه” لزوم أكل العيش، يعمد إلى إلهاء الناس عن بؤس واقعهم، بشيطنة الآخر، ولا يختلف عن أي نوع من المستبدين، مبرري القتل عبر التاريخ. يدارون الاستبداد بشغل الناس بعدو خارجي أو داخلي، بهدف ضمان الحشد الشعبي، وتأجيل ما عداه من قضايا. قيل إن جنرالات بلد عربي كانوا يدبرون تفجيرات، آمنة وغير آمنة، وينسبونها لمتشددين غير أبرياء، أو يتركون الناس يتهمون التكفيريين بارتكابها، وهي جريمة سبق إليها قادة صهاينة قتلوا يهودا أو تواطأوا على قتلهم.

فحين كان هتلر يحشد شعبا يعاني البطالة وذل الهزيمة بعد الحرب العالمية الأولى، افتعل تضخيم الخطر اليهودي، وتحالف معه قادة الصهيونية، وطرح النازي مشاريع لتوطين اليهود خارج أوروبا “وقد تعاون النازيون مع الصهاينة انطلاقا من قبول هذا الحل.. للمسألة اليهودية”، كما يقول عبدالوهاب المسيري في المجلد الثاني (ص 443 و444) من موسوعة “اليهود واليهودية والصهيونية”، ووفقا لمعاهدة “الهعفراه” بين الوكالة اليهودية الصهيونية وألمانيا النازية، في أغسطس 1933، تم تسهيل تهجير اليهود إلى فلسطين، على أن يتنازلوا عن ممتلكاتهم للدولة الألمانية، وتأسست شركة “الهعفراه المحدودة” للإشراف على عمليات التهجير، وتطبيقا للمعاهدة “بلغ عدد اليهود الذين هاجروا من ألمانيا وحدها حوالي 150 ألفا بين 1933 و1938”، كما جاء في موسوعة المسيري.

أما عن القتل العمد لهدف سياسي، فأولى العمليات الإرهابية ضد السفن المدنية صناعة صهيونية. وكان قادة الحركة الصهيونية قد استأجروا سفينة فرنسية لنقل 1800 مهاجر إلى فلسطين، ولم يسمح للسفينة بالوصول إلى ميناء حيفا في نوفمبر 1940، فلجأوا إلى تفجير السفينة وإغراقها، وسارع الفلسطينيون إلى إنقاذ من يمكن إنقاذهم. كان قتل نحو 250 يهوديا نوعا من الضغط “الأخلاقي” على سلطات الانتداب البريطاني للسماح بدخول المهاجرين غير الشرعيين، وإثارة الرأي العام الغربي ضد بريطانيا. نجحت الصيغة وصارت سنّة للابتزاز.

الفشل الداخلي لبعض القادة، يتساوى أحيانا مع رغبات التوسع لأسباب استعمارية أو تصديرا لأزمات محلية، فتخترع مسوغات أخلاقية للتدخل، بحجة إنقاذ شعب من احتلال سابق، أو إنهاء استبداد وطني بالقضاء على دكتاتور. لا فرق كبيرا بين ما جرى في مصر عام 639، ثم مع نابليون عام 1798 بحجة تخليص مصر من ظلم المماليك، والاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، تحت شعار منح شعبه الحرية، وهو ما بخلت به فرنسا وأوروبا والدول المتقدمة على الجزائر، بعد مشاركة آلاف من أبنائها في صد الغزو النازي. ولكن فرنسا رفضت أن تمنحهم استقلالا وعدت به، فانتفضوا في مظاهرات سلمية واجهها الجيش الاستعماري بمذابح راح ضحيتها عشرات الآلاف في قسنطينة وقالمة وسطيف. وإلى الآن ترفض فرنسا أن تعتذر.

ننتقد الإجرام باسم الإسلام، ولا ننسى أن هذا مخاض مرت به شعوب أخرى في مفترق الطرق، بين وصاية رجال الدين ومشروع الدولة. ونرفض أن يزايد علينا من ارتكبوا جرائم غير مسبوقة ضد الإنسانية، في دريسدن مثلا. سلوك إجرامي، يخلو من أي منطق إنساني، إذ قامت قوات الحلفاء وألمانيا على وشك الاستسلام بقصف المدينة وقتل ما لا يقل عن 25 ألفا. نصر جبان بلا طعم، منزوع الشجاعة، لا أقول الدهاء الذي تبرأ منه يوما الإمام علي، حين قال عن معاوية “والله ما هو بأدهى مني، ولكنه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر لكنت أدهى الناس”، وهي حكمة ورثها ابنه الإمام الحسن، فتنازل عن الحكم حقنا للدماء، وأغناه حب النساء عن السلطة، ثم كان الإمام الحسين نموذجا للمثالية في سياق غير مثالي، وحيّره التوفيق بين الإصلاح وخشية الدم، فقيل له “أتريد الحكم وتخشى الدم؟”. لم يكن الشهيد يريد المُلك.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر