الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

أهل السنتين

تبدأ رحلة الشر عند البَيبي من الأسبوع الأول، يتصرفون بأبشع من سلوك عتاة الطغاة في التاريخ، وبأسوأ من كاليغولا نفسه.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/04/07، العدد: 9880، ص(24)]

الأطفال ليسوا ملائكة. محيي الدين اللباد صانع الكتب والرسام، صديقي الرائع الذي راح مات، يقول عنهم إنهم أشرار لكنهم غلابة. الجاحظ نفسه يقول ليس في الدنيا أشر من صبي. يعني لا كرامة ولا مروءة ولا شهامة.

أنا أصلا لا أراهم بشرا. كل أطفال الحيوانات يبدون أطفالا للحيوان الذي يتحدرون من صلبه. ابن الفيل يبدو ابن فيل وسيكبر ويصير فيلا وكذلك الحال مع ذرية الثعالب والأرانب وكل شيء، ما عدا ابن البشر. لا أصدق إنهم من نفس الفصيلة، ويبدون فصيلة أخرى لا علاقة لها ببني آدم. لا أتخيلهم سيكبرون ويصيرون بشرا مثلنا.

ومن هؤلاء هناك أصحاب السنتين. يدخلون السنتين ويمشون بطريقة رثة لا تشبه مشية أي مخلوق. خطواتهم سريعة ومتهورة ومضطربة، يقطعون المسافة بين المقعد والطاولة ركضا محموما متعثرا وكأن الشرطة تطاردهم ويصلون إلى مقصدهم ويمسكون بأي نتوء فيه ويتنفسون بعمق تنهدات خلاص وسلامة.

تبدأ رحلة الشر عند البَيبي من الأسبوع الأول. يتصرفون بأبشع من سلوك عتاة الطغاة في التاريخ، وبأسوأ من كاليغولا نفسه.

تتملقهم وتحنو عليهم فيديرون لك ظهرهم ويطلقون ريحا في وجهك. لم يسجل التاريخ فعلا مستهترا كهذا لكاليغولا أو تيمورلنك.

عندما يصيبهم أرق لا يدعون أحدا ينام. وهناك أيضا الروال، هذا اللعاب السائل من زاوية الفم مثل حنفية لم تغلق جيدا ينزل منها خيط من اللعاب لا ينقطع أثناء اللعب والحبو ولحظات التأمل. يبدأون استكشاف العالم والموجودات بالفم، يدخلون فيه كل شيء ويقضمون باللثة حافات الطاولات والكراسي والكتب.

التدرج في الشر يتواصل ليبلغ غايته لدى الاقتراب من السنتين. هنا تكتمل عندهم عدة الشر وأدواته. تراهم في الشوارع والأسواق والمنتزهات بكامل قيافتهم ولا تزال السدادة في فمهم على إنها مصاصة. حين الصراخ ينزعوها من فمهم أولاً مصدرة صوتا يشبه صوت نزع سدادة زجاجة، ويأخذون بالعويل والاستنجاد بالمارة لأسباب كثيرة منها أن أمهم تريد أن تجلسهم في مقعدهم أو تضعهم في عربة التسوق.

كنت أهاتف صديقا وسمعت في الخلفية صراخا مستغيثا لأطفال يذبحون. سألته قال هؤلاء التوأمان تغسل لهم أمهم. صوت يشق سكون الليل ويستدعي الجيران والشرطة. لكن الشرطة لا تأتي ولا الجيران يتحركون، ذلك لأن البشرية تحصن نفسها بتجاهلهم. لو صدقهم الناس لكانت الأم الحنون تقضي كل ليلة في مركز الشرطة والتحقيق جار معها في تهمة الشروع في القتل. تجاهلهم يسعدني ويذكرني أن الدنيا ما زالت بخير.

وما يسعدني أكثر أن هناك في السوبرماركت، في قسم مستلزمات الأوغاد من حفاظات وغيرها، شيئا يسمى زيت الأطفال. أراه وأبتسم متذكرا كيف يستخلصون الزيت بسحق الزيتون وهرسه في مطاحن حجرية. عندها أبتسم متشفيا وأتخيل كيف يستخلصون زيت الأطفال في مطاحن حجرية.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

:: اختيارات المحرر