الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

بيت القمامة وليل الحيوانات الأليفة

ركوب الموجة الدينية في العراق انعطافة مؤثرة وتداعيات سريعة وصادمة بكل الاتجاهات، أضاعت بوصلة العلاقات الاجتماعية وأطلقت النار على التنوع في السلوك.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/04/10، العدد: 9883، ص(9)]

بتاريخ 7 يوليو 1994 أصدرت الدولة العراقية قرارا مفاجئا بغلق جميع البارات والنوادي الليلية والاجتماعية، وفي اليوم التالي اتصل بي صديق يعمل في السياحة ليؤكد لي أن 67 ألف مواطن فقدوا عملهم في بغداد وحدها، مع الرقم الكبير المباشر أضفت أصحاب الأعمال المستفيدين من الأنشطة المستهدفة، كسواق سيارات الأجرة وأصحاب المطاعم الصغيرة ومجهزي المواد الأولية والغذائية وأعمال أخرى غير منظورة، أرقام العاطلين ارتفعت إلى درجات خطيرة، حتى أنني اعتبرت ما حدث بعد مشاهدتي واقع بغداد بمثابة إصدار قرار بمنع التجول.

التقيت بشخصيات متعددة كانت تشتكي واقع معيشتها وفقدان عملها الأصلي أو الإضافي، وليس صادما إذا ذكرت أن أكثر المتضررين كانوا من أهلنا المسيحيين وهذه بداية أول عملية تهجير غير مقصودة في العراق، لأن القوانين تمنع المسلمين من العمل أو منحهم الإجازات لفتح البارات أو المطاعم، ولمن يعرف أسرار مدينة بغداد وغيرها من المدن الكبيرة في العراق، سيدرك حقيقة إقدام العديد من أهلنا المسلمين على العمل في هذه الأنشطة بالاتفاق مع صديق مسيحي موثوق به، وما أكثرهم أهلا للثقة، ليتسنى الحصول على إجازة لممارسة المهنة.

قرار المنع وإغلاق جميع الأنشطة الاجتماعية، كان بمثابة بدء سباق المسافات الطويلة الذي أودى بالحياة ومفردات الحرية من نمط العيش الاجتماعي إلى الهاوية.

لا ننسى أن القرار جاء تقريبا بعد 4 سنوات من الحصار اللعين الدامي للعراق الذي يعادل إنسانيا احتلال البلاد وتجويع وإهانة كرامة وكبرياء شعب، كان الحصار قرارا سيئا وإدانة أممية للفكر البشري، الذي بدا عاجزا عن حل مشاكله بعيدا عن استخدام التجمعات السكانية كدروع وأدوات ومبررات للضغط السياسي من كل الأطراف.

فقدت بغداد ليلها وسمرها ونشاطها، وازداد عدد العاطلين حتى من موظفيها الذين يحاولون تدبير قوت عوائلهم لأن رواتب الدولة لا تسد حاجة بيت من بيوتهم، وللتوضيح لا يتجاوز الراتب الشهري ثلاثة دولارات في حده الأعلى، ولنا أن نكتشف أسباب الرشاوى الصغيرة والكبيرة في دوائر الدولة، خاصة المتعلقة بالأمور المالية ومنها دوائر الضرائب والجباية والعقارات، وزيادة مفجعة في المحسوبية والواسطة، وتنامي ظواهر وسلوكيات منحرفة طارئة على المجتمع العراقي، مثل نشاط دلالي العقار والمتابعين للمعاملات الرسمية الذين أثروا كوسطاء في صفقات أدت حتى إلى القتل وارتكاب الجرائم الجنائية.

بعض لصوص الحصار ومنهم محكومون كسراق للمال العام، أو من الذين أساؤوا التصرف في محتويات المخازن الحكومية التابعة لدوائرهم، بعد الاحتلال، يتم التعامل معهم كمعارضين ومظلومين من النظام السابق، ويكافؤون لتاريخهم في السرقة.

بعد ذلك القرار ازداد عدد الباعة المتجولين والأعمال العشوائية وانتشرت المخدرات، وأصبحت مناطق معينة حافلة بالمجرمين وعصابات تدير وتحمي السراق، ومنها ما حصل مع سوق الأدوية والمتاجرة بالحبوب الممنوعة واحتكار الأدوية بأسعار خيالية مات دون الحصول عليها الآلاف من شعبنا.

ما أصل إليه، أن ركوب الموجة الدينية في العراق بدا جليا في القرار الذي بدأت به مقالتي، لأنه انعطافة مؤثرة وتداعيات سريعة وصادمة بكل الاتجاهات، أضاعت بوصلة العلاقات الاجتماعية وأطلقت النار على التنوع في السلوك، وجهد عشرات السنين من الكفاح من أجل تحرر المرأة وحقوقها المدنية والنضال لتشريعات أكثر تقدما وإنسانية للمرأة والطفل وضمان حماية الأسرة.

المد الديني وما عرف بالحملة الإيمانية لم يكن مجرد ركوب للموجة، بل كان نتاجا لفكر راسخ في الأعماق لقيادة المستقبل لبلاد تتنازعها الصراعات الدينية التي شهدت بعد الاحتلال انفلاتا صارخا، وتآكلتها المثالب من منابعها إلى مصباتها، لكنها مع ذلك تنضوي تحتها وتتفاعل مع تناقضاتها إلى مستوى التماثل بين أساليب المتصارعين فيما بينهم، رغم اختلافهم الشكلي، لأن الأحزاب الدينية وجهت تكوينها النفسي إلى الإبقاء على تأثيرها وسلطتها ومصادر تمويلها ونفوذها.

الإسلام هو الإسلام تحت رايته كانت دمشق، وكانت بغداد عاصمة الدنيا، ومدارسها جوامع للحياة وللعلم والفكر والترجمة، وسوقها سوقا للوراقين والكتبة، وبيوتها بيوتا للشعر والحكمة. وكانت الأندلس، ودولة للبرتقال، وقصور وحدائق تهب الإنسانية طاقة للبناء والاستمرار، ومنها ابن رشد وحريق كتبه التي تدعو إلى العلم ومعرفة الحقائق واحترام العلماء ومحاربة التشدد والجهل، والسعي لإعمال نصوص النعيم في الأرض. فرق كبير بين من يصنع الحواجز، وبين من يصنع الجسور، لكن ماذا تبقى لنا من جسور.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر