الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

دعهم يموتوا دعنا نعش

بحثت عن مفردات تلائم أحزان هذا وذاك، فلم أجد غير كلمات عاجزة عن البوح بالوجع الذي يختنق من تزاحم العبرات.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2015/04/10، العدد: 9883، ص(21)]

عن وجع مَن سأكتب، فالأوجاع كثيرة في أوطاننا العربية والآهات مكتومة في صدور الملايين، والمآسي أكثر من أن أتحدث عنها بالمفردات أو أحصيها بالأرقام.

أمام مسرح العنف الضاري ومشاهد القتل والتقتيل البشعة ونحيب المعذبين وأصواتهم المبحوحة، يكاد يغيب كل تعبير ولا يحضر في العقل غير منظر الدم وأشلاء الجثث الملقاة هنا وهناك، وعلى قارعة كل طريق وتحت الأنقاض وبين الركامات المبعثرة.

صور الخراب والدمار والإذلال والتشرد والعزل والسحق، ومنظر المستشفيات المقفرة من الأدوية والمزدحمة بالجثث المتفحمة، بعثرت ذاكرتي وجعلتني مشتتة التفكير والتعبير.

لأول مرة تخونني المفردات ولا أجد ماذا أقول، لا لأَنِّني غير ملمة بأبجديات اللغة العربية، بل لأنني لم أجد بينها تعبيرا يستبطن المرارة التي تشعر بها الأمهات في الأنبار وهن يشهدن يوميا موت أبنائهن جراء نقص الغذاء والدواء والماء، وبفعل الحصار المفروض عليهن من قبل تنظيم “داعش” الإرهابي من جهة وقوات الأمن العراقية ومليشيات “الحشد الشعبي” من جهة ثانية.

كيف سأصف لوعة “أم جهاد” المرأة السورية التي ماتت كمدا من الصدمة بعد أن قضت أياما وليالي مريرة بانتظار عودة أبنائها الستة، آملة في أن يكونوا على قيد الحياة، إلا أنها فوجئت بموتهم الذي لم يكن بقضاء الله، بل بقضاء سياط التعذيب وحسابات السياسة التي لا تحتمل أي معادلة.

ماذا سأقول عن الأب التونسي عزالدين الخشناوي الذي أنجب وتعب وربّى وعوض أن يعتز ويفخر بفلذة كبده الذي علق عليه آمال حياته كلها، لكنه انفجع فيه، وأي فجيعة عندما يرفض أب تسلم جثة من كان ولده وأصبح اليوم إرهابيا بارعا في سفك دماء الأبرياء.

أي قدرة وشجاعة أتته في لحظات الانكسار جعلته يحافظ على رباطة جأشه، ويعرض عن تسلّم جثمان ابنه، بل ويطالب بإحراقه حتى لا يبقى أثرا منه يذكره بخيبة أمله. هل يمكنني أن ابتكر لغة تتحدث بدلا عن الضحايا الصامتين الذين تقصفهم الحكومات ويستخدمهم المعارضون للابتزاز الإعلاميين من دون أن يكون لهم أي ذنب، أو يفقهوا ما القضية بالضبط؟

كل لغات العالم لا تستطيع أن تكون بليغة في وصف الرعب الذي شعرت به الطفلة الصغيرة هادية عندما اقتربت منها عدسة الصحفي التركي عثمان ساجيري لتلتقط لها صورة فرفعت يديها وعضت على شفتيها مستسلمة، ظنا منها أنها فوهة بندقية.

ماذا سأقول عن الذين حلموا بأن يثمر ربيعهم العربي السلام والرفاهية والحرية، فوجدوا أنفسهم يعيشون في جحيم التكفيريين الباحثين عن الخلد في فردوس الغيب.

وكيف لكلماتي أن تغوص في أعماق ضحايا الاعتداءات الجنسية في النزاعات المسلحة، وتعكس تلاوين أوجاعهم وأحاسيسهم من المظالم المسلطة عليهم. بحثت عن مفردات تلائم أحزان هذا وذاك، فلم أجد غير كلمات عاجزة عن البوح بالوجع الذي يختنق من تزاحم العبرات.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر