السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

رقصة الإمبراطورة

قليلون من العرب أدركوا قيمة العمل، وواجهوا انتقادات كثيرة بسبب دعمهم للمشاريع التي غيرت وجه التاريخ.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/04/10، العدد: 9883، ص(24)]

كانت قريش المتمدّنة لا تحب العمل، قبل الإسلام، بل كان يطيب لها توظيف العبيد والأجراء، وقضاء الوقت في الجدل والحوارات في دار الندوة في مكة والسفريات بين الشام واليمن، وامتدّ هذا ليصبغ الثقافة العربية حتى اللحظة، لتعزّزه فتاوى المشايخ والأئمة، حتى أن الشافعيّ نفسه لم ينجُ منه حين قرّر أنّ الحلّاق والدبّاغ وكشّاش الحمام لا تقبل شهادة أيّ منهم، لأنّهم أصحاب مهن وضيعة.

وسبق وأن كتب المصري الجليل حافظ وهبة مصّمم العلم السعودي، والذي طاردته بريطانيا وأهدرت دمه، في كتابه “جزيرة العرب في القرن العشرين” أن الصناعات على اختلافها معدودة من المهن الخسيسة التي تحط بقدر صاحبها عند العرب، ومما يدل على موقفهم السلبي من الصناعات، ألفاظ السباب المعروفة عندهم كقولهم “يا ابن الصانع” إذا أرادوا تحقير إنسان ما، وقرأتُ أن ابن خلدون كان يصنّف الناس في صنفين، “صاحب سيف وصاحب مهنة”، وصاحب السيف هو القائد، أما كلمة “المهنة”، فهي كما وصفها المفكر العراقي الكبير علي الوردي في كتابه العظيم “الأخلاق”، مشتقّة من المهانة.

قليلون من العرب أدركوا قيمة العمل، وواجهوا انتقادات كثيرة بسبب دعمهم للمشاريع التي غيرت وجه التاريخ، وقبل سنوات، همست لي الأميرة بديعة حفيدة الأمير عبدالقادر الجزائري برجاء، وهي سيدة مثقفة فاضلة قاربت المئة لها عدد من المؤلفات الهامة، أخبرتني أنه يتوجب عليّ ألا أركّز في عملي على استقبال الأمير عبدالقادر لضيف فرنسي زاره في بيته في ربوة دمشق، كي يتوسط له عند السلطان العثماني للموافقة على مشروع حمله معه، لأنها تعتقد أن المشروع كان قد قسّم الأمّة الإسلامية وشقّها.

ولكنني لم أَعِد الأميرة بهذا، رغم أنها قدّمت لي حينها، مشكورة، الكثير من الوثائق لصالح فيلم وثائقي قصير كنت شاركتُ فيه عن الأمير الثائر عبدالقادر، الذي لم يراعِ بدوره تحفّظات التقليديين على المشروع، بل سارع إلى تشجيعه، ولم يكن ضيفه إلا فرديناند دي ليسيبس، ولم يكن مشروعه سوى شقّ قناة من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط لتحويل طرق التجارة العالمية إلى الشرق.

ولو أن الأمير عبدالقادر مال إلى فتوى الشافعي وازدراء غيره من المشايخ للعمل، لما كانت قناة السويس موجودة الآن، ولما قدّم الخديوي إسماعيل في حفل افتتاحها ثمانية آلاف صنف من الطعام، ولما كان الخديوي ذاته قد دعا الإمبراطورة أوجيني قرينة نابليون الثالث لترقص في الحفل مؤذنة بتدشين القناة في العام 1869، قبل أن يهديها “غرفة نوم” من الذهب الخالص تتصدرها ياقوتة حمراء نقشت حولها بالفرنسية كلمات تقول “عيني على الأقل ستظل معجبة بك إلى الأبد”.

ولما كانت عائدات القناة قد بلغت فقط خلال الشهرين الماضيين قرابة ثمانمئة مليون دولار، ولما كان عبدالناصر أمّمها ليحكم مصر ويتدخل في الشرق كله ويدمّر الديمقراطيات فيه، ولا كانت إيران قد طمعت بمضيق باب المندب لتخنق قناة السويس ومصر والأمن القومي العربي بدعمها الحوثيين في اليمن، وما كنا اضطررنا إلى عاصفة الحزم العربية، هكذا يفكّر البعض من كشّاشي الحمام.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر