الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

المسألة الثقافية العربية وفردوس معاوية المفقود

ماذا يريد العرب من أنفسهم اليوم وقد باتوا يتوارون في ظلال أمم أخرى. ماذا يريدون من وجودهم وقد بلغوا بنسلهم أرض اليأس، وباتوا في حال ينكرون معها أنفسهم.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/04/12، العدد: 9885، ص(11)]

في الأيام الأولى لاندفاع السوريين في انتفاضتهم السلمية في آذار من العام 2011، كتبت بياناً للمثقفين السوريين، يوضح تمسكنا بوحدة سوريا وهويتها ونداءات شعبها التي لم تتوقف، موصولة مع عمقها الحضاري الذي لا يستثني مؤسساً أو ثائراً أو مخزوناً ثقافياً عالمياً أو عربياً أو أيّا كان منبعه ضمن التكوين السوري، لكن اسماً ورد في البيان، تسبب في توقّف عددٍ من المثقفين عن الاستجابة للتوقيع عليه، وقال بعضهم، كيف يمكن لمثقف علوي مناصر للثورة أن يقبل بورود هذا الاسم في نص البيان؟ كان الاسم.. معاوية بن أبي سفيان، وكان السياق الحديث عن الدولة المدنية التي أسسها معاوية في الشام، الدولة العربية اللادينية الأولى، وكنت شخصياً أضع اختباراً للوعي، لتوثيق قدرة المثقف العربي على الفصل ما بين الإرث الثأري القادم من الديني، والوعي المكتسب المتوقع من المدني لدى العرب مهما اختلفت جنسياتهم وانتماءاتهم الطائفية.

اليوم، أرادت افتتاحية العدد الثاني من مجلة الجديد، أن تثير قضية يتجنب الخوض فيها، كثير ممن تقع على عواتقهم مسؤولية الحديث فيها وعنها، لا سيما في مناخ لا يوفر سهماً من سهام الانتقام والحقد التاريخي والعنصرية والثأر، دون أن يؤجّجه نحو جسد القضية ذاتها، العروبة، الهوية العربية، العرب.

وإذا يطرح رئيس تحرير المجلة الشاعر نوري الجراح، أسئلته، في البحث عن مشروع ثقافي عربي، مستفتحاً بسيرة أولئك الذين قال عنهم “ماذا يريد هؤلاء القوم الذين أسمتهم كتب الحضارة عرباً، وقد صاروا يخجلون من اسمهم.

ماذا يريد العرب من أنفسهم اليوم وقد باتوا يتوارون في ظلال أمم أخرى. ماذا يريدون من وجودهم وقد بلغوا بنسلهم أرض اليأس، وباتوا في حال ينكرون معها أنفسهم، فما عادوا يطيقون أن يكونوا عربا؟ ولكن ماذا في وسع العرب أن يكونوا إن لم يكونوا ما كانوا دائماً.

هل يصيرون فرسا، أم يصيرون تركا، أم صقالبة! ماذا يريدون أن يكونوا وقد باتوا على شفا حفرة من أن يكونوا هنوداً حمراً لأمم تجاورهم؟”، وهي أسئلة قد تعطيها اللحظة التاريخية شرعية، من فداحة الصورة أمام ناظري المرء، لكن في أوقات مختلفة، قبل هذه اللحظة الطويلة وبعد انقضائها، سيكون الأمر مختلفاً.

العرب يتغنون حتى اليوم بدهاء معاوية ومكره، لكنهم في الواقع يشيرون، بشكل غير واع، إلى أن معاوية كان مؤسس "السياسة" في تاريخ العرب، فالدولة لا تبنى بالمفاهيم وحدها، ولا بالقوة منفردة، و"فن الحكم" يتطلب الكثير مما ينطلق من شعرة معاوية الشهيرة التي كان يرخيها إن شدها الناس ويشدّها إن هم ارخوها

الهزلي والمأساوي معاً، أن العرب كأمّة، لها ملامح وثقافة وتاريخ ومصير مشترك، كما حدّد مفكرو الثقافة العربية الأول، باتوا موضع جدل وشك، وأن وجودهم ذاته بات موضع تساؤل لدى كثير من الأقوام التي عاشت معهم، وتشاركت يومياتهم، كرد وفرس وآخرون، يرون أن نهوضهم يتطلب سحق العرب، وطمس منجزهم المعرفي بطمس هويتهم، وتحميلهم أوزار الأنظمة التي رفعت شعارات العرب وأحلامهم مراكب لتصل بها إلى الهيمنة والبطش بالجميع وعلى رأس ذلك الجميع العرب أنفسهم قبل غيرهم.

في هذه اللحظة ذاتها، يواجه العرب دعوات للانحسار والتراجع عن الأراضي الشاسعة التي فتحوها، ونشروا فيها ثقافتهم، والعودة إلى جزيرة العرب، بعد خمسة عشر قرناً، حاملين معهم حمولتهم الثقافية، وكأنما يقول لهم غيرهم، تلك بضاعتكم ردت إليكم، عند هذه اللحظة، يطرح سؤال العرب الوجودي والمعرفي في آن معاً، وكأنّ لا شيء فعلوه ولا حضارة أنشؤوها، ولا مساهمة في مسار البشرية قدّموها.

عصر السقوط الثاني لبغداد

تقرن عصور الانحطاط العربي الشهير، بمرحلة ما بعد سقوط بغداد على يد هولاكو، واجتياح التتار للمشرق العربي مدمّرين كل أشكال النماء والازدهار الذي عرفه أهله، بمكوناتهم مجتمعة عرباً وفرساً وكردا وأفغانا وباكا وبشتونا وصولاً إلى سور الصين شرقاً.

لكن بغداد سقطت من جديد في زمننا، ولم يكن سقوطها مجرد احتلال كما تعرضت وتعرض غيرها لاحتلالات مختلفة، لكن مسرحية السقوط ومشهديته، كانت أكثر تمزيقاً في وعي العرب، حين عبرت القوات الأميركية جسور العاصمة العراقية، ونشرت مرتزقتها في أنحاء بلاد أعرق الحضارات، ولعل أبلغ صور ذلك السقوط تجلى في سجن أبي غريب، ثم في سلسلة المحاكمات المصوّرة للقيادة العراقية السابقة، والتي أريد لها أن تكون محاكمة للفكر القومي العربي، دون أن يعطى المتهم فرصة الدفاع عن نفسه، وتهديداً وتلويحاً صريحين أمام ملايين العرب من المشاهدين، بأن العودة إلى مثل هذا الفكر ستكون نهايتها كما ترون.

ولم يكن فكر البعث هو المستهدف، بل الشعارات التي رفعها البعث، ولم تكن الطريقة التي تم تنفيذ حكم إعدام الرئيس صدام حسين بها وكيفية عرضها والهتافات المرفوعة من حوله من قبل ملثمين مجهولين، وهو دكتاتور مثله مثل غيره لا نناقش في هذا، لم تكن سوى استبدالاً وإحلالاً مقصوداً لفكرة في مطرح فكرة، “انهيار الحلم العربي، وصعود الحلم الطائفي الشيعي”، ذلك الحلم الذي استثمرته إيران، ليكون حلماً فارسياً، اشتغل طويلاً على “بعث” الفكر القومي الساساني القادم لينتقم من الجميع.

هل هي نهاية الحلم العربي إذن؟ للإجابة على هذا السؤال، ليس علينا فقط البحث في مراكز الدراسات وعقول المفكرين العرب والمنتج الثقافي العربي اليوم، بل سيتطلب الأمر تطوافاً واسعاً على يوميات الإنسان العربي من المحيط إلى الخليج، وكذلك في المنافي، لا سيما بعد صعود وسقوط المفاهيم الدينية المتطرفة، والتي لم تبق للعربي سوى هويته الثقافية كجدار يسند إليه ظهره.

وكان ما كان بعد سقوط بغداد في العام 2003، فتداعت الثقافة العربية، غير قادرة على مواكبة العولمة القادمة بالقوة هذه المرة، مزلزلة زمناً أبعدت فيه الملايين من العرب عن القرار والتأثير والشأن العام، بسلطان الاستبداد، ولم يبق أمامها سوى الانخراط الكلي في مشروع القرية العالمية الصغيرة، الذي يطمس الهويات ويجعلها مادة للفرجة والتزيين، وليس كموناً يحرّك ويغذي الفكر والحياة.

لكن هل يمكن والحال هكذا، أن يحمّل الإنسان العربي، البسيط والمثقف، مسؤولية الفشل الذريع في تصدير الهوية الذي شهدته القرون الأخيرة وتشهده هذه السنوات؟ كيف وقد كان العربي طريداً منفياً لاجئاً حبس نضاله من أجل لقمة العيش، ممنوعاً من الكلام، ممنوعاً من السماع، ممنوعاً من السفر، ممنوعاً من التفكير، من الكتابة، من الرسم، من كل شيء؟ لتأتي لحظة حاضرة جديدة، لتمنعه اليوم من أن يكون له وجود.

أم الحكايات

لا ينفك العقل العربي يقيس ما يكون بما كان، ويستعير من هنا وهناك من حوادث الدهر، كيف يفهم حوادث الراهن بها، وينتقد المفكرون ومنهم الراحل محمد عابد الجابري، قصور العقل العربي بسبب ميله إلى القياس، وليس استنباط الجديد، لكن تثبيت التاريخ، في مرات كثيرة، بالقوة، سيجبر العربي وغير العربي على تثبيت أدوات فهمه للتاريخ، وما عرفته الحياة العربية منذ مئة سنة مضت وحتى اليوم، لم يكن سوى تثبيتاً للحظة انهيار إمبراطورية غير عربية حكمت العرب، أدى تقاسمها إلى تفتيت أرض العرب ومعها الشخصية العربية وأحلامها.

وقيل للعرب اصنعوا دولتكم الحديثة، وسط عشرات المؤثرات التي تمنعهم من صناعة زورق ورقي، وليس مشروعاً بحجم دولة، فكانت أولى الضربات تحوير ميثاق دمشق، من ميثاق مدني يطلب دولة مدنية إلى ميثاق يفاوض عليه رجل يطلب الخلافة لنفسه، الحسين شريف مكة، ثم اتفاقية سايكس بيكو سازانوف، ثم وعد بلفور بدولة دينية لليهود وسط امتحان أممي للعرب بأن يؤسسوا دولة مدنية لكل مواطنيها.

ثم الاحتلال الكولونيالي المباشر، ثم تعيين القادة والرؤساء بالوكالة في بلاد العرب، للحفاظ على المصالح الغربية، وضبط السكان، ثم عرض المشروع العربي على لسان الدكتاتوريات للإمعان في تشويهه، كما تفعل اليوم داعش بصورة الإسلام.

تخطيط: ساي سرحان

حتى وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم.. هل بقي من العرب شيءٌ يذكر؟

لكن الحكاية لم تبدأ هاهنا، بل إنها صراع قديم كابده العرب أوّل مرة في النزاع على مشروع الدولة الأولى بعد رحيل النبي محمد، الذي قدّم حاملاً دينياً صقل الهوية العربية ونقلها من حال إلى حال، فنشأ من بعده صراع يقف على ضفة من ضفتيه الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، من جهة، ويقف على ضفته الأخرى عرب كان فهمهم مختلفاً للدين والدولة، مثّلهم معاوية بن أبي سفيان.

تبع الخلفاء الراشدون الأربعة النبي برضوخ وأمانة، والتصقوا بالأفكار، ولم ينظروا إلى المستقبل، لأن المستقبل بالنسبة إليهم لم يكن على الأرض بل كان في السماء وما يوعدون، بينما نظر معاوية إلى الأرض، وعرف أن الدولة لا يمكن أن تساس بقيم السماء فقط، فواجه المشروع الديني، وبقميص عثمان أو من غيره، كان معاوية سائراً إلى المواجهة، رافضاً الدولة الدينية، مؤسساً لمشروع عابر للعصور، لم يتوقف يوماً، ولم تعن وفاته نهاية له، فقد عاد وظهر في الأندلس على يد أحد سليل البيت الأموي ذاته عبدالرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، ثم عاد ليظهر في المشرق والمغرب مع تقدم الزمن.

ويمكن أن نتخيل العالم العربي في حال انتصر علي بن أبي طالب وطبق مشروعه الديني، بغض النظر عن عالم القيم الأخلاقية المتضمنة فيه والتي هي نسخة ثانية عن إسلام النبي وإسلام عمر، وكم سيصمد هذا المشروع أمام تحولات العالم في ذلك الزمن، وكيف سيكون شكل المجتمعات العربية (ومعها الأقوام التي دخلت الإسلام والأديان التي بقيت على حالها بعده) تحت الحكم المرتبط بالسماء في عهد علي وأبنائه وأحفاده.

صعود معاوية، والتأييد الذي لاقاه من العرب من أهل الشام والأمصار الأكثر احتكاكاً بالحضارات الأخرى، لم يكن سوى ذلك التوق العربي إلى دولة مدنية، حتى لو كان حاكمها ملكاً وليس نبياً أو شبه نبي.

وقد تغنى العرب قديماً وحتى اليوم، بدهاء معاوية ومكره، لكنهم في الواقع يشيرون، بشكل غير واعٍ، إلى أن معاوية كان مؤسس “السياسة” أيضاً في تاريخ العرب، فالدولة لا تبنى بالمفاهيم وحدها، ولا بالقوة منفردة، و”فن الحكم” يتطلب الكثير مما ينطلق من شعرة معاوية الشهيرة التي يرخيها إذا شدّها الناس ويشدّها إن هم أرخوها، وهو القائل “إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين العامة شعرة لما انقطعت،إن جذبوها أرخيتها، وإن أرخوها مددتها”، وكان لمعركة صفين أثرٌ كبير في المقارنة بين فكرين، ونظرتين إلى الحياة، عراقية علوية أرادت السفر إلى القيم، وشآمية أموية أرادت الاستقرار على أرض الواقع، مهما كلف الثمن من تآكل في صورة العداء للبيت المحمدي، قيل لمعاوية بن أبي سفيان في يوم صفين: إنك تتقدم حتى نقول: إنك تقبل وإنك أشجع الناس، وتتأخر حتى نقول: إنك تفر وإنك أجبن الناس، فقال “أتقدم إذا كان التقدم غُنماً، وأتأخر إذا كان التأخر عزماً”.

فكان يحارب علي بن أبي طالب، وفي الوقت ذاته يرسل إليه ليستفتيه في شؤونه الدينية، في رسالة واضحة، تقول إنك أعلم وأعلى مكانة منا بالدين، لكننا أولى منك بالدولة.

الانقلاب على الدولة الدينية

ثبّت معاوية نظريته في الحكم، مبكراً، قبل أن يندلع نزاعه مع علي، وكان منذ البداية، يعرف أنه سيكون على النقيض مع متشدّد أكبر وأكثر تعنتاً من علي، إنه عمر بن الخطاب، فقد روي في سير الأعلام عن إسماعيل بن أمية: أن عمر أفرد معاوية بالشام، ورزقه في الشهر ثمانين دينارا، ولما قدم عمر الشام، تلقاه معاوية في موكب عظيم وهيئة، فلما دنا منه، قال له عمر: أنت صاحب الموكب العظيم؟ قال: نعم. قال: مع ما بلغني عنك من طول وقوف ذوي الحاجات ببابك. قال: نعم. قال: ولمَ تفعل ذلك؟ قال معاوية: نحن بأرض جواسيس العدو بها كثير، فيجب أن نظهر من عز السلطان ما يرهبهم فإن نهيتني انتهيت، قال عمر: يا معاوية، ما أسألك عن شيء إلا تركتني في مثل رواجب الضرس، لئن كان ما قلت حقا، إنه لرأي أريب، وإن كان باطلا، فإنه لخدعة أديب. قال: فمرني. قال: لا آمرك ولا أنهاك.

وقال المدائني: كان عمر إذا نظر إلى معاوية، قال “هذا كسرى العرب”، وقال عنه عبدالله بن عباس “علمت بما كان معاوية يغلب الناس، كان إذا طاروا وقع، وإذا وقعوا طار”.

وحين مكّن دولته، اتخذ وزراء من العرب المسلمين والنصارى، وكان أول من اتخذ الديوان للختم، وأمر بالنيروز والمهرجان، واتخذ المقاصير في الجامع، وأول من قام على رأسه حرس، وأول من اتخذ الخدام الخصيان في الإسلام، وأول من بلغ درجات المنبر خمس عشرة مرقاة، وكان يقول “أنا أول الملوك”، وكان أول من استعمل السفن في البحار للحرب، وأول من حاصر عاصمة الروم “القسطنطينية”، ودام حصاره لها سبعة أعوام كاملة، انتهت بعقد هدنة، قضت على حلم الروم باسترداد الشام ومصر، ورسّخت حدود الدولة العربية الأولى في العام 680 للميلاد.

شجرة الفكر

يستفز الجراح المثقفين العرب، بإشارته إلى أن نهر الدم الذي تدفق في عواصم الحاضر العربي ومدنه وأريافه “لم يستطع أن يهز شجرة الفكر عن ثمار جديدة. فها هو الفكر يقف عاجزا عن قراءة ما يجري، محبَطاً وغريباً، حتى لكأنه لا يرى في نفسه ابناً حقيقياً للتجربة الإنسانية الدامية، إن في سنواتها الأربع المنصرمة، أو في أرومتها الممتدة إلى نصف قرن من الاستبداد باسم الدولة العربية”، والواقع أن الجملة لا تصف الحقيقة، بل ما تراه فقط، فالفكر لا ينشأ بالشرر، ولا يكون ردّ فعل مباشر على حدث مهما كبر، لكنه صيرورة، تبدأ بمؤثرات مثل التي ذكرت، ولا نرى أن الفكر العربي يحتاج إلى أن يولد من جديد، فهو موجود حقاً وسلفاً، ولكنه اليوم يحتاج حواضن، مع الأسف باتت كهرم مقلوب، فبدلاً من أن يتبع العسكري السياسي ويتبع السياسي الفكري على قمة الهرم، بات على العسكري أن يرعى السياسي وعلى السياسي أن يتنازل ويبحث عن الفكري في القاع.

والمثقف الذي تصفه الافتتاحية بأنه “مصباح الأمم”، لم يكن يوماً مصباحاً لأمّته في حياته، بل بعد زمن طويل، بل إن تلك الأمم التي ظهر فيها مثقفون، لم تقصّر في التنكيل بهم، وصلبهم، وحرق أعمالهم وإبادة فكرهم، لكنهم استمرّوا وزالت هيمنة العهود التي عاشوا فيها، وتبدّل الزمان، لذلك نجد أن ما يحدث الآن يؤسس للقادم، وعليه فإننا نكتب اليوم في ماضي المستقبل العربي، ونصنع للقادمين تراثاً سيعثرون عليه.

الثقافي الفكري السياسي

أيّ أدوات حادة بوسعها الفصل، ما بين الثقافي والفكري والسياسي اليوم، دون أن يضاف إليه ما تبقى من وجوه الكريستال، فالغطاء السياسي المنكشف اليوم، سببه غياب الخيمة الفكرية، والفكر منتج ثقافي، والثقافة لا تزدهر في البيئات المجهّلة، والمحرومة من التنمية وأساسيات الحياة، وهي أكثر مهمة حرص على تحقيقها الاستبداد الموزّع على خارطة العالم العربي، فمن أين سيأتي الثقافي اليوم؟ وكيف يمكن له أن يتحوّل إلى تمثيلاته الأكثر تطوراً في فضاءات معادية؟ لا شكّ ان المنتج الثقافي العربي خلال المئة عام الماضية، وهي ساحة التحولات الزمنية، التي تؤثر أكثر من سواها الآن، هو المستهدف في نقد المسار الثقافي العربي، فلو أن القصيدة العربية تجاوزت حدود الظواهر الفردية إلى الحركات الشعرية الكبرى، ولو أن الرواية العربية أصبحت تياراً واسعاً، ولو أن الفنون العربية تأصّلت واتخذت لذاتها بصمات وضاحة، لكان السؤال عن وجودها اليوم من عدمه، سؤالاً عبثياً، لكن يبدو أن التأسيس لم يكن جاداً، ولم يكن مكيناً بما يكفي للتعبير عن ذهن ثقافي مدني، قادر على قهر الرعوية والدينية والطائفية والعرقية التي تضرب بعنف هذه الأيام في جسد العروبة، المفهوم فوق السياسي، الذي يريد البعض اليوم تكسيره كما تكسّر داعش تماثيل آشور.

☚ ينشر بالاتفاق مع مجلة "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر