السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

التاسع من أبريل 2003 نهاية العراق

مشروع إنهاء العراق كان واضحا وممنهجا، تتداخل فيه الصفحة العسكرية ببرامج تغييب الهوية الوطنية وإحلال الهويات الفرعية الطائفية والعرقية.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2015/04/13، العدد: 9886، ص(8)]

يوما بعد يوم تتضح الصورة الكاملة للأهداف الأميركية حين اختارت إدارتها “البُوشية” الأولى العراق دون غيره من أنظمة المنطقة كقاعدة محتلة لتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير وفقا لتوصيات مجموعة عمل اليمين اليهودي منذ عام 1983.

حينذاك كانت أميركا تدفع بالعراق إلى مواصلة حربه مع إيران وتدعم الأخيرة بذات الوقت وتقدم المساعدات لها (ولعل فضيحة إيران جيت تأكيد لذلك) مثلما هي اليوم تدفع داعش إل مواصلة حربها في كل من العراق وسوريا. اختيار العراق لم يأت لأن على رأسه نظاما متمردا مستبدا، فهناك تشابه وتطابق بينه وبين نظام حافظ الأسد وابنه بشار الوريث، حيث يتشابهان في العقيدة والسياسة، بل كانت هناك محاولات عدة أواخر سبعينات القرن الماضي لتوحيد جناحي حزب البعث في سوريا والعراق، ولو سمح الكبار بتحقيق ذلك الهدف لتغيرت اليوم خارطة المنطقة.

ولم يتم اختيار العراق لأن نظامه غزا الكويت بعد انتصاره العسكري على إيران، إثر الإيحاءات الأميركية بأنه قادر على تحقيق ذلك، لكنها بيتت للعراق هجمة عسكرية كسرت ظهر الجيش العراقي عام 1991 المزهو بانتصاره في إيران، وتحقق حشد عسكري وسياسي عربي لم يتكرر فيما بعد. بل إن تلك الفاصلة السوداء مما حصل للعراق هي المقدمة الحقيقية والفعلية لتهديم هذا البلد العربي وإفراغ خارطته من مضمونها البشري وبنيانها الكبير.

ولم يختر العراق لأن لديه برنامجا كيمياوياً ونوويا، فقد تبين بعد تسع سنوات أن مخزون سوريا من هذا السلاح التدميري أكبر مما كان يمتلكه العراق ودمره ذاتيا بعد عام 1991، وقد اعترف رئيس لجنة التفتيش فيما بعد بأن تلك الحجة واهية، وأن مشروع الغزو كان مبيتا منذ وقت طويل.

أما في سوريا فقد أبطلت إدارة باراك أوباما خطة الضربات الجوية العقابية بعد رضوخ نظام بشار لتسليم مخزون الأسلحة وتدميره. والمثال الإيراني الحالي في صفقة المشروع النووي دليل واضح على عدم وجود مشروع للخيار العسكري هناك رغم الشعارات القديمة التي وضعها بوش الأب، حيث صنف بموجبها إيران بمحور الشر إلى جانب العراق وكوريا الشمالية.

مشروع الاحتلال الأميركي للعراق كان هدفا إستراتيجيا رتبت له أغطية فنية وسياسية ودبلوماسية، حيث تخلت روسيا عن العراق رغم ما قدمه لها من مكاسب اقتصادية هائلة لم تقدمها كل من سوريا وإيران حاليا. فقد وصلت موسكو الإشارات الأميركية بأن ترفع يدها عن العراق، مثلما تم إبلاغ السعودية بذلك والتي كانت تتعاون مع فصائل عراقية مهمة لديها برنامج للقيام بانقلاب عسكري داخلي يحافظ على الدولة ومؤسساتها الوطنية ويزيح رأس النظام.

كانت اللعبة أكبر من ذلك، ولهذا استبعدت المعارضة العراقية الوطنية اللا طائفية من البرنامج الذي تبنته الدوائر الأميركية في الخارجية والبنتاغون لاحقا، وتم تخيير الذهاب إلى عناوين طائفية وعرقية تخدم المشروع العسكري المرحلي وتشكل فيما بعد قواعد التفتيت الذي شهده العراق بعد عام 2003 .

كان الشغل الشاغل لجميع الدوائر الأميركية هو كيفية تنفيذ برنامج “نهاية العراق” الذي أعلنه المفكر الأميركي براهام في تقريره الشهير عام 1998 “نهاية العراق عام 2000″ وهو مفكر مقرّب من دوائر المخابرات الأميركية، وتم تبنيه وتطبيقه بعد ثلاث سنوات من قبل البنتاغون، ومنحت المعارضة مقابل ذلك السلطة حيث انفردت بها قوى الإسلام السياسي الشيعي فيما بعد، وهي مقايضة تاريخية أجهزت على جميع قواعد العراق الموحد.

لقد تعجلت الإدارة الأميركية تنفيذ الصفحة الأولى في الاحتلال العسكري بعدما وجدت التجاوب والتفاعل الكبير من أقطاب المعارضة في لندن لتنفيذ هذا المشروع التدميري حيث عيّن بوش ممثلا له معها، وشجع تلك الإدارة التجاوب الإيراني السريع في تقديم الخدمات اللوجستية بعد أن تأكدت طهران بأن الهدف هو سحق العراق، وتحقيق ما لم تتمكن من تحقيقه عبر ثماني سنوات من الحرب.

مشروع إنهاء العراق كان واضحا وممنهجا، تتداخل فيه الصفحة العسكرية ببرامج تغييب الهوية الوطنية وإحلال الهويات الفرعية الطائفية والعرقية، مقرونة بحملة كبيرة ينفذها الحاكم الأميركي بول بريمر، وينجزها في فترة محددة تتضمن سحق المؤسسات الوطنية العراقية وفي مقدمتها مؤسسة الجيش، واجتثاث جسم الدولة التنموي والعلمي والثقافي والفني، لإنهاء وإسقاط أي رد فعل محتمل على مشروع تغييب العراق كي لا يبقى في الساحة من يعترض على مشروع تصفية العراق.

وأورد هنا شهادة تاريخية تعود إلى الفترة السابقة للاحتلال بأيام قليلة، وتبين كيفية تبلور مشروع إنهاء العراق. فقد طلب السفير الأميركي خليل زادة مقابلتي والأستاذ صلاح عمر العلي بعد وصوله لندن بيوم واحد، وقبل لقائه اللجنة التحضيرية ومصادقته على أعضاء المؤتمر والتي اقتصرت هيئته التحضيرية (وبتنسيق من أحمد الجلبي) على ممثلي الأحزاب الشيعية (المجلس الأعلى وحزب الدعوة ومحمد بحر العلوم والأكراد) وتم استبعاد غيرهم من المعارضين الوطنيين في لندن، خاصة ممن لا ينتمون إلى أحزاب طائفية.

حضر لقاءنا مع زادة المعارض العراقي مضر شوكت، حيث طلب منا حضور مؤتمر لندن كممثلين عن العرب السنة وبنسبة 25 بالمئة مؤكدا على مباشرة أميركا التحضيرات اللوجستية للاحتلال، وما علينا سوى المشاركة في هذا المؤتمر وفق التقسيم الطائفي الذي أصبح القاعدة الأساسية للحكم فيما بعد. وقد رفضنا هذا التوصيف الطائفي، كما رفضنا التأييد أو المشاركة في مشروع احتلال العراق، وردّ علينا “ستندمون على ذلك”، وقاطعنا مؤتمر لندن الذي وضع اللبنات الأولى لمشروع إنهاء العراق، والثابت أن المشهد السياسي القائم اليوم بعد اثنتي عشرة سنة دليل على ذلك.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر