الاربعاء 16 اغسطس/اب 2017، العدد: 10724

الاربعاء 16 اغسطس/اب 2017، العدد: 10724

مخيم اليرموك والقاتل المتسلسل

الفلسطينيون وما حدث لهم في بغداد، والفلسطينيون وما حدث لهم في دمشق، منهجية إبادة في مدرسة اجترار الكراهية والثأر بواجهات مختلفة.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/04/13، العدد: 9886، ص(9)]

أتابع ما يحصل في مخيم اليرموك وتصريحات الدبلوماسية العالمية والشخصيات الأممية، وهي توغل في جلدنا بسوط الاستغفال المتعمد وإحالتنا إلى سؤال جوهري، حول كيفية إدارة هذا العالم واشتغال الدول الكبرى وفق مصالحها ومتابعة نسيج فكرها الخاص في طروحات قادتها والمتحدثين عن توجهاتها.

بعد سنوات من أبشع صراع الراديكاليات المسلحة في سوريا، بين آلة قمع تستند إلى شرعية عنف الدولة، وبين العصاب الأصولي الذي يستند إلى حقائقه المطلقة، وما بينهما، تم سحق مفاهيم الثورة التي تتبنى الاعتدال وبناء دولة الإصلاح والديمقراطية وحقوق الإنسان، بعد كل المجازر والإبادات واجتثاث المدن يأتي تصريح الأمين العام للأمم المتحدة “لا يمكننا انتظار حدوث مجزرة في مخيم اليرموك” ويتداخل واقع المخيم مع الواقع السوري وواقع الانقسام الفلسطيني.

واليرموك وإن كانت بداياته عددا من خيام اللجوء للعوائل النازحة بعد سنوات من حرب 1948 ومأساة التقسيم، لكن مع تقادم الزمن ومراوحة القضية الفلسطينية مكانها وتراجعها إثر انتكاسة 1967 ازداد عدد اللاجئين وتكاثرت الأسر التي سعت تحت ظروف القهر وتجاهل المجتمع الدولي إلى التكيف مع حياتها والعمل على تطوير سكنها وتنويع مصادر دخلها، أصبح المخيم من الأحياء المزدحمة وتوفرت لأهله فرص الدراسة وأصبح منهم الأطباء والمهندسون.

نشأ مخيم اليرموك عام 1957 قرب دمشق، لكن مع التوسع العمراني اندمج المخيم وصار جزءا من أحيائها كما حدث مع بعض مناطق بغداد التي أقيمت بعد ثورة 1958 ونزوح الكثير من سكان المحافظات إلى العاصمة.

بعيدا عن التجاذبات السياسية والمواقف الإقليمية والدولية في سوريا، تبدو خيمة سيرك النظام ومنهاجه وألاعيب مهرجيه من الحصار والتجويع ولعبة إدخال المساعدات والمفاوضات مع منظمات الإغاثة الدولية والصليب الأحمر ومهزلة الإبادة بإلقاء البراميل المتفجرة وإدخال المخيم كساحة صراع فلسطيني فلسطيني، وتسلل مجاميع متشددة من طوق الحصار إلى المخيم، واستدعاء القصف من جديد، أعاد إلى الأذهان رواية الإبادة المنظمة للشعب الفلسطيني من قبل العصابات الصهيونية، وبذات المشاهد واجترار العذاب والموت والتهجير، مضافة إليها اليوم أساليب العنف المتطورة في يدٍ أطلق سراحها مع غياب التفاهمات بين الدول الكبرى التي تتنازع على مناطق النفوذ ومستقبل احتياطيات الطاقة في العالم، وبقاء القضية الفلسطينية معلقة في فضائها وتفشي الوباء الأصولي وازدهار المشروع الفارسي بنسخته الطائفية بعد احتلال العراق، وذرائعيته في حرب تحرير فلسطين التي تمر عبر إعادة العرب إلى ما قبل الإسلام واتخاذ بغداد عاصمة له.

الفلسطينيون وما حدث لهم في بغداد، والفلسطينيون وما حدث لهم في دمشق، منهجية إبادة في مدرسة اجترار الكراهية والثأر بواجهات مختلفة واستحضار الطقوس ودفع المنوّمين بمغناطيس الحكايات الدينية المقدسة والغلو لدفع العرب إلى الاقتتال، والتجييش بإثارة المخاوف وخلق الكوابيس والزعامات والقناعات في خيال أسطوري أضفى على واقع ما يجري على أرض العراق وسوريا، صورة همجية لا تنتمي إلى زمن معين، لكنها تذهب باتجاه اعتناق مخيلة تكون راعية لأحلامها التي تلتقي في قمة، يتم التسلق إليها بتقديم الأضحيات من الفلسطينيين أولا، والعراقيين بذاكرة السبي البابلي ثم ركوع أكبر إمبراطورية أمام المد العربي الإسلامي.

مباحثات النووي الإيراني، وتراخي الموقف الأميركي، والصبر على التبرم الإسرائيلي، خطوة لإطلاق مشروع “راوح” الدموي في تكرار المجازر السورية العراقية وإبادة الشعب الفلسطيني، وانتفاء الجدل بما يتعلق بحق عودة اللاجئين إلى وطنهم. مخيم اليرموك، ملفات صراخ لا يسعها الانتظار.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر