الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

فضائية ذلك المواطن الأعزل

بسبب تدهور مستويات القراءة واللجوء إلى أقصر الطرق أيضا صارت الفضائيات العربية شريكا يوميا لهذا 'المواطن الأمي والعاطل'.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/04/14، العدد: 9887، ص(18)]

عندما ينتشر الخوف واليأس من المستقبل ينتشر التخلف بجميع أشكاله ويلجأ الإنسان بسبب الشعور بالعجز عن تغيير واقعه إلى أقصر الحلول وأسهلها للوصول إلى مبتغاه، يلجأ للميتافيزيقيا، والخرافة يلوذ بها في نوع من الإيهام والاطمئنان النفسي أنه سيصل إلى ما يريد بسلام.

وحتى الدين والعقيدة الدينية ستتجه إلى أحد مسارين إما التطرف أو إلباسها لبوس الشعوذة والخرافة في مزيج من الكهنوتية وشل عقل الفرد.

هذا الواقع هو واقع عربي بامتياز تردفه نسبة أمية صارخة تبدأ من 30 بالمئة في بعض الدول العربية لتصل إلى نصف عدد السكان في بلدان أخرى، يضاف إلى ذلك نسبة بطالة مخيفة تعصف بالعالم العربي طولا وعرضا.

وسط هذا الخليط من أشكال التعقيدات والمشكلات والتحديات وجد الإعلام العربي نفسه في وسط المعمعة، الصحيفة الورقية والإلكترونية كما الفضائية والإذاعة المسموعة كلهم في وسط هذه الفوضى العارمة التي أصابت المجتمعات العربية في سوادها الأعظم.

لكن وبسبب تدهور مستويات القراءة واللجوء إلى أقصر الطرق أيضا صارت الفضائيات العربية شريكا يوميا لهذا “المواطن الأمي والعاطل” فبماذا غذته؟ وكيف قاربت أزمات التخلف ومظاهر الشعوذة والخرافة والانقسام والصراع المجتمعي؟

في الواقع نحن أمام واقع متخلف أيضا لا يقل تخلفا عما ذكرناه آنفا ولكن في نسخة إعلامية فضائية، وإلا ماذا تسمي فضائيات تبث أفكار الشعوذة وتتاجر بها وتكثر ممن يؤمنون بالخرافة، وماذا تسمي فضائيات ألبست العقيدة الدينية لبوس الانقسام والشعوذة والكراهية أيضا، ومتى كان الدين يؤمن بإلغاء الآخر ونسف مجتمعات بأكملها والسخرية والطعن في فكر الآخر بعد أن قدمت البشرية أغلى التضحيات من أجل السلامة الشخصية والمجتمعية والسلم الأهلي وحافظت على العقد الاجتماعي.

هاهي فضائيات كثيرة تصادر كل شيء، إعلام يلغي قوانين وتشريعات في برامج مسمومة وملوثة، هاهو الكائن الفضائي على الشاشة في زيه الفولكلوري وأنا أتابعه متسائلا: إلى أين يسير بي، فيه مسوح الرهبان وأرباب السماحة وتحت جلبابه يكمن شيطان وشر، هو يرفع من قيمة مجرمين ومن أرباب الدواعش والقاعدة ويحط من قيمة مثقفين يسميهم علمانيين زنادقة آفاقين، وصبرت وتحولت إلى قناة أخرى وإذا بالمذيع يريد شفاء الناس من المس، يتصل به المواطن الحائر عارضا مشكلته فيسأله هل سبق وأن مسك الجن والشيطان؟ وعندما يجيب ذلك المواطن بالنفي، يقول المشعوذ: ألم يؤلمك ظهرك قبل سنوات، فيجيب المواطن الصالح نعم بالفعل فيرد المشعوذ فورا، نعم هذه هي.. مسك الجن والشيطان يومها وهو كامن ويمكن أن يمسك مجددا، ولهذا عليك أن تتبع العلاج الذي سأعطيه لك، وسيدفع المواطن صاغرا.

وهكذا وجدتني في سحابة ذلك النهار أجري مسحا، وأتخيل ذلك المواطن الأمي والعاطل والمحروم من أي تعليم كيف هي أحواله وهو محاط بهذه الهجمة الشرسة من المشعوذين والدجالين من جهة ومن مشعلي الفتن وناشري الكراهية الدينية والمذهبية والطائفية والمناطقية والعرقية من جهة أخرى. كنت أشاهد ذلك المواطن الأعزل، فيما كانت الشاشات تتدفق عليه بصور القنابل والقاذفات والدخان والصراعات من حوله.

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر