السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

الموصل وناقوس الامتحان الصعب

تحضير الدروس، ومتابعة القراءة، والاستعداد لكل سؤال طارئ، تجنبنا صدمة الامتحان. الموصل، تستعد للامتحان الصعب.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/04/17، العدد: 9890، ص(9)]

الجميع أحرار في تبني المخاوف المقبلة أو عدم التعاطي معها بحجة أن مصادر القلق غير موثوق بها لغاياتها الخاصة، لكننا تعلمنا من دروس المعارك أن الاستعداد الأمثل يكون بالتحوط لأسوأ التوقعات، يفقد بها العدو عنصر المباغتة وتقلل من حجم الخسائر، خاصة أن ما نشير إليه أخطر من الاحتواء السريع حتى مع تشخصيه المسبق.

القادة السياسيون في العراق، يتحدثون عن احتمال شن هجوم واسع لاستعادة مدينة الموصل، أما القادة العسكريون فبوادر الرغبة المتسارعة للساسة بالخلاص من مهزلة احتلال وتسليم الموصل دون قتال وخسارة المعدات النوعية، تبدو الرغبة تلك غير منسجمة مع الواقع الميداني ومعارف العلوم العسكرية، وخاصة تقارير عدم جاهزية الجيش وتفوق المقاتلين المتطوعين المندفعين في تنفيذ الأوامر رغم تضحياتهم، وهم في تركيبتهم القتالية والنفسية أكثر ملائمة لنوع الصراع بين الطرفين المتحاربين، وأقرب إلى التحرر من السياقات التقليدية في خطط الهجوم أو الدفاع. القائد الحقيقي هو من يضع الخسائر على قمة أولوياته، لأنه يقاتل بها ويستمر بإدامة زخم مكاسبه من خلالها، ويعتمد مع جنوده مبدأ، جندي حي أفضل من مقاتلي فصيل من الأبطال لكن قتلى.

ومن المعارك القريبة في ثمانينات القرن الماضي، ولتوالي المعارك كان ممكناً الاستدلال عن أسباب الهزائم مع الإعداد الكبيرة للمقاتلين والتجهيزات، وأسباب الانتصارات الكبيرة مع الأعداد القليلة للمقاتلين أحياناً.

يعود السبب، إلى عدم التبذير بأرواح الجنود ودمائهم مقابل مكاسب غير حاسمة، يتطلب الصبر على الزمن وضغطه في توقيتات دقيقة، عدم التفريط في الموقع المحصّن عسكرياً والانتقال إلى صفحة جديدة، إلا وفق خطوة محكمة. حديثي ينصب على الوحدات الصغيرة التي غيّرت سير العمليات بصمودها ونوعية قتالها تحت إمرة ضابط يدرك أهمية الحياة ليس فقط حقناً لدماء جنوده، إنما لإدراكه أنهم أسباب انتصاره.

التعامل مع الحياة البشرية ورعايتها وتقنين تضحياتها حتى في صفوف المقاتلين أثناء المعارك وشراستها لها أهمية بالغة، إذن كيف الحال بالمدنيين ومصيرهم كما حدث في الموصل وجغرافية توابعها، بعد الهزيمة غير المبررة للفرق العسكرية وعدم دفاعها عن منتسبيها وترك سلاحها وعدتها، والأهم مغادرتها لواجبها في حماية حياة المدنيين، وشواهد المآسي والآثار الدامية دليل صارخ على عدم استيعاب الصدمة أو التحسب والإعداد لأسوأ الاحتمالات، والتخطيط لواقع ونوعية الصراع وطبيعة المقاتلين ونوعية أساليبهم في القوة المقابلة.

أحذر من فكرة الصدمة، وأضع التحذيرات من احتمالية استهداف سد الموصل بموضع احترام التقييمات وتحليلها والوقوف على أدق تفاصيلها، فالمصاب بالبلل لا يخشى المطر، هذا ينطبق، تماماً على ما يمكن أن يحصل في الموصل وينسجم مع نمط الأسلوب الانتحاري الذي تنتهجه الجماعات المتشددة.

سد الموصل، ومتوالية التخوف من تصدعه لأسباب تتعلق بنوعية التربة التي أنشأ عليها، تستدعي الشك ورصد النيات وموجبات التحذير الأميركي حتى لرعاياها من موظفي سفارتها في بغداد الواقعة على بعد مئات الكيلومترات عن السد، ثم التصريحات العسكرية الأميركية عن احتمال إقدام عناصر الإرهاب باستهداف السد في حالة حصارهم، أو تكبدهم خسائر جسيمة في الهجوم المقبل. معلوم أن الوجه المعلن هو الخشية، هذا شيء حقيقي وملموس، لكن في الإعلام اعتبرها، شخصياً، رسالة موجهة لوضع السد في مهب مقترحات الفكر العسكري للجماعات المسلحة التي امتلكت الغنائم العسكرية الأميركية، وهي أسلحة متقدمة من بينها الدروع والدبابات.

في العراق، يتم تخفيف المعلومات العلمية عن تصدع السد، وكذلك يفعلون فيما يتعلق باحتمال استهداف السد بعمل تخريبي، لكن ما لا يمكنك تجاهله أن إغراق المنطقة بالمياه سيعطل أي جهد عسكري ويتسبب في خسائر وأضرار هائلة، وحينها ستكون المحصلة المزيد من الوصف للمجرمين والإرهابيين وامتطاء موجة السب واللعن والإدانات التي لا يمكن لها أن تعيد الزمن إلى الوراء وتمنع المأساة. الخطر الآخر استخدام السلاح الكيمياوي، والإشارات تؤكدها الفحوصات في المختبرات العالمية، الموثوق بها، عن استخدام ضربات صغيرة وشكوك مضافة هنا وهناك.

تختلف التكهنات حول نوع الكيمياوي وفاعليته وقدرات تصنيعه وإمكانية توجيهه، والكلور كما يبدو الأكثر سهولة في التعامل أو الحصول عليه مع تداعياته في لعبة المخابرات للحصول على مكاسب وإدانات دولية مختلفة. نحن شعوب لا نعد العدة، ونلقي على كتف الأقدار حمولة انفراط همتنا في تدعيم أمن بلادنا وشعبنا.

ليست بعيدة مأساة تشرنوبل، التي كاد فيها العالم أن يصحو على إبادة جزء كبير من البشرية، ومنهم سكان بلداننا النائمة في اللامبالاة، ولم ينتبه أحد حينها حتى من قادة منطقتنا، لمدى ما كان يمكن أن يحصل نتيجة تجاهل سبل التحوط أو ضعف مشاركتنا في الهِّم الإنساني وطرق تدعيم ضمان الحياة.

تحضير الدروس، ومتابعة القراءة، والاستعداد لكل سؤال طارئ، تجنبنا صدمة الامتحان. الموصل، تستعد للامتحان الصعب.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر