السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

ماني غادر

كلمة 'البتاع' يمكن أن توضع في أي موضع فتعطي المعنى الذي يريده المتكلم دون أن يكون المعنى ذاته الذي يفهمه المستمع.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/04/17، العدد: 9890، ص(24)]

للهجات العامية سحرُها، وكذلك مكرُها وحيلُها في نقل المعنى والمعاني المجاورة له والمتباعدة عنه، قدر المستطاع، بهدف التهرّب من المواقف، خاصة إن كانت تلك اللهجات قد نشأت ونمت وتطورت في المدينة، بينما نجدها جافة وحادة في البادية والأرياف، مباشرة وصارخة في الجبال، وكأنّما تريد إيصال الصوت من جبل إلــى آخر بسبـب قسـوة التضاريس.

أما المدن فقد تدبّرت أمرها، كي يفلت ابن المدينة من خانة إليك في جميع الأمور، فإن أصريت عليه أن يقوم بفعل ما، قال لك “والله ماني غادر”، فيوهمك بأنه “غير قادر” وهو لا يكذب بالكلمات، بل قام بتغيير حرف واحد فقط ، فأصبح وفياً لا غادراً، ولم يعد للأمر عندها علاقة بالقدرة والإمكانيات، وربما تمنى أن يدعو لك ولكن ليس من قلبه تماماً، فيقول لك “الله لا ينوّر عليك”، ثم يصمت لثوانٍ، ويتابع “إلا بأنوار النبي”، فيكون قد هوى بك في أول الجملة وارتفع بك في آخرها، إلى ملكوت السماء.

وكذلك في مصر، فقد ابتكر العوام، ما احتفل به الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم وعدّه من عبقريات الشعب، كلمة “البتاع” التي يمكن أن توضع في أي موضع فتعطي المعنى الذي يريده المتكلم دون أن يكون المعنى ذاته الذي يفهمه المستمع.

وكانت أشهر استعمالاته في قصيدة نجم الشهير “البتاع” التي قال فيها مما قال “يلّي فتحت البتاع، فتحكْ على مقفول، لأن أصل البتاع، واصل على موصول، يبقى البتاع في البتاع، والناس صايبها ذهول، وان حد قال دا البـتاع، يقــولوا له مـش معــقول، ونـاس تعـيش بالبـتاع، ونـاس تموت بالفــول”.

أما كلمة “طيّب” التي يستعملها العامة في كل البلدان العربية، فالقصد منها متعدد الأغراض، فأحياناً تكون بمعنى” جميل وحسن” وأحياناً تكون بمعنى “بسيطة سنتواجه” وفي أحيان أخرى يكون معناها “وماذا بعد”؟ والاختلاف بين المعاني يحدّده الصوت والنبرة فقط، وقد يقول لك أحد المضيفين “إن شاء الله ما نحترمك” فتفهم من حرفية الكلام أنه لن يحترمك في يوم من الأيام، ولكن هذا ليس ما كان يقصده، فالغرض أنه لا يتمنى أن يُحرمَ منك.

أما أخطر ما في اللهجات العامية العربية، فهو غياب المثنى تماماً، لا في الأفعال ولا الضمائر ولا الأسماء، فلا يوجد إلا المفرد والجمع فقط، مما يعكس غياب الحوار بين اثنين، وغياب التقابل والندّية في الذهنية، فالإنسان في وعي العامة، إما واحد مفرد يتبعه الجميع، أو جميع يتبعون واحداً منصاعين لإرادته.

لذلك رأينا أن “البتاع” في عواصم العرب “غادر” على “احترام” الجميع ولا يتعامل معهم إلا بـ”نور الله والنبي” ولا يقول لهم إلا “طيّب”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر