الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الاستتابة من الفقه السلطوي إلى السياسة

بالرقي الإنساني والروحي والجمالي، سيفقد التواطؤ اليميني بجناحيه الديني والعسكري قاعدته الصلبة، سيتلاشى ويبدأ دور القانون الذي يطمئن إليه المستضعفون في الأرض.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/04/21، العدد: 9894، ص(8)]

في يوليو 1997 أطلق قادة “الجماعة الإسلامية” من السجن في مصر مبادرة لوقف “الأعمال المسلحة والبيانات المحرضة”. بالمنطق السلفي للجماعة اعترض بعض قيادات الخارج، لعدم أخذ موافقة “أمير الجماعة” عمر عبدالرحمن، الموجود في الولايات المتحدة، على المبادرة. هل كانت لحظة تحلت فيها بالشجاعة جماعة احترفت القتل واستحلته، ثم امتلكت القدرة على إعادة النظر في “الأفكار” المؤسسة لسلسلة من الجرائم والخطايا، باسم الله، بعد مجازر في حق مصريين وأجانب؟ ربما.

بدأ “الجهاد” في يونيو 1981 بالاستيلاء على أربعة من محلات الذهب في نجع حمادي، بعد قتل عدد من المسيحيين. وفي أغسطس 1981 نقلت الجماعة ساحة المعركة إلى حي شبرا في القاهرة، واستولت على محلين للذهب أيضا يملكهما مسيحيان، تنفيذا لفتوى عمر عبدالرحمن باستحلال أموال النصارى الذين يصر المتطرفون على تجريدهم من وصف “المسيحيين”. كانت تلك بعض نتائج تفاصيل “حتمية المواجهة” التي لم تنته باغتيال أنور السادات يوم 6 أكتوبر 1981، ثم قتل 118 جنديا ومواطنا في أسيوط بعد ذلك بيومين، في عيد الأضحى.

في عام 1987 لخص قادة الجماعة تلك الأهداف في وثيقة ‘حتمية المواجهة': “الطريق يجب أن يبدأ من مصر… أن تتحرر من تبعية اليهود والنصارى. ولابد أن تعود مصر إلى حكم المسلمين… تعود حاضنة عمرو بن العاص، وقلعة صلاح الدين، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله”. كان قادة الجماعة مسلّحين باليقين، إذ ردوا على كتاب محمد سعيد رمضان البوطي “الجهاد في الإسلام: كيف نفهمه؟ وكيف نمارسه؟” 1993، بوثيقة “الرد على البوطي في كتابه عن الجهاد” عام 1997، جاء فيها أن “الله تعالى أمر بقتال أهل الكتاب ابتداء حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون… ولا شك أن الصغار هو الإذلال، أي ذليلون حقيرون مهانون، ولهذا لا يجوز إعزاز أهل الذمة ولا رفعهم على المسلمين، بل هم أذلاّء صغرة أشقياء”.

في ذلك الوقت كانت قبضة الدولة الأمنية خشنة في التعامل مع الجماعة، كلا الطرفين يملك يقينا، الدين في مواجهة الوطنية، ويصادر حق الآخر تماما. ثم كشفت ثورة 25 يناير 2011 صدق فريق من الجماعة في الجنوح إلى “السلم”، والدعوة إلى الأخلاق “بالحكمة والموعظة الحسنة”، ناجح إبراهيم وكرم زهدي مثلا. في حين توعد بعضهم، طارق الزمر مثلا، الشعب المصري بالدماء، قبيل 30 يونيو 2013 “ونحن نعدهم بأنهم سيسحقون في هذا اليوم، ستكون الضربة القاضية يوم 30 يونيو”.

الإلحاح على فكرة المراجعات استعادة لماض كريه، قتل فيه من قتل، تحت سطوة ما عرف بفقه "الاستتابة"

نظام مبارك، “النظام القوي والدولة الضعيفة” كما وصفه سامر سليمان، أمدَّ المتطرفين بقوة تنظيمية، وهم في المقابل أطالوا عمر النظام. تواطؤ صامت بين جماعة خارج التاريخ، ونظام منتهي الصلاحية يبطش بطريقة التكفير الوطني والإنساني، في مواجهة تكفير ديني ينتهجه المتطرفون، وإن مالوا إلى المهادنة فهذا يشبه طلاق المكره، “وليس على مستكره طلاق”، ولم يكن غريبا أن ينتهي الأمر ببعض هؤلاء وقد عادوا لما أعلنوا التخلي عنه.

من الفشل السابق انتقل إلى فشل متوقع، حيث يحلو لبعض القيادات السلفية تمرير رسائل، ربما تكون صادقة، عن التوسط لإجراء مراجعات فكرية مع قادة التيارات المتشددة في السجون. وليس هذا أكثر من تجديد للتواطؤ اليميني، الديني والعسكري، على الثورة، وتعطيل مساراتها إلى الآن على الأقل، وتفريغها منذ وقت مبكر من مضمونها السياسي والاجتماعي، وطمس شعارها “تغيير، حرية، عدالة اجتماعية”. تواطؤ جسدته “جمعة قندهار” في 29 يوليو 2011، حين ارتفعت أعلام القاعدة وصور أسامة بن لادن، في ميدان التحرير. وعلا هتاف “دقن.. جلابية.. العسكر مية مية”، كما بايعوا المشير حسين طنطاوي “ألف تحية للمشير.. من قلب ميدان التحرير”، و”يا مشير يا مشير من النهار ده انت الأمير”.

الخيال الشعبي أطلق عليها بسخرية “جمعة قندهار”، أما اسمها “الشرعي” فكان “جمعة الحفاظ على هوية مصر الإسلامية”، وفي المذكرة التفسيرية المعلنة أنها “جمعة الحفاظ على نتيجة الاستفتاء. التطهير. الاستقرار. نعم للمجلس العسكري”. ثم كانت “مليونيات” عامي 2011 و2012 فارغة من أي انحياز لشعارات الثورة، وخصوصا “الحرية والعدالة”، الهدف لا الحزب.

إذا كان السلفيون، وفي القلب منهم “حزب النور” المدلل، صادقين مع الله ومع أنفسهم، فعليهم أن يواجهوا السلطة بالآية القرآنية “ولقد كرمنا بني آدم”، على أن يؤمنوا هم أنفسهم أولا بأن الدين منحة إلهية للبشر، أن الدين في خدمة الإنسان الفرد الواحد الأحد، لتحريره من كافة أشكال العبودية، من الإذعان لقوة عسكرية أو لرأس المال أو لسطوة رجال الدين. ومع الآية القرآنية عليهم تذكير السلطة بالحديث النبوي “ليس على مستكره طلاق”، وليس من المنطق ولا الحكمة ولا الإنسانية أن يكره مسجون على التخلي عن “عقيدة”، ولو كانت التغيير بالعنف. الأولى أن تكون الدعوة إلى إطلاق سراح المعتقلين ظلما أو بالشبهة، وضمان الحد الأقصى من العدالة للمذنب.

ربما يبدو الإلحاح على فكرة “المراجعات” استعادة لماض كريه، قتل فيه من قتل، وعذب فيه من عذب، تحت سطوة ما عرف بفقه “الاستتابة”، وهي إجراء سياسي سلطوي غير بريء، غير إنساني، شمل من اتهم بالردة، الحد الذي لا يستند إلى نص قرآني قطعي الدلالة، كما امتد إلى تارك الصلاة إذ أفتى بعض فقهاء ذلك الماضي بأنه يستتاب، “فإن تاب وإلا قتل”.

بالرقي الإنساني والروحي والجمالي، سيفقد التواطؤ اليميني بجناحيه الديني والعسكري قاعدته الصلبة، سيتلاشى ويبدأ دور القانون الذي يطمئن إليه المستضعفون، بدلا من وسائل الوصاية والإكراه على التوبة والتخلي عن عقيدة تحت ظلال سيف. ولا أظن شخصا مثل نائب رئيس الدعوة السلفية ياسر برهامي، بفخره بالتدليس في وضع مادة عنصرية في الدستور الإخواني، وإصراره على الدعوة إلى كراهية المسيحيين، قادرا على إجراء هذه “المراجعات” التي تحتاج إلى طرف أكثر نزاهة.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر