الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

أوشال وطن على جسر البزيبز

الاستثمار في الموت لن يؤدي إلا إلى المزيد من التبذير في الموارد البشرية والمادية، وصناعة الأشرار وتفاقم الجهل وتفريخ التعصب.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/04/23، العدد: 9896، ص(8)]

ما زلت ابتسم بمرارة كلما تذكرت الصحفية وهي تسأل المهمش “اللمبي” السجين عن عمره، فيجيبها “معرفش” فتعيد عليه السؤال ثانية، فيجيبها بما معناه “عشت طويلا” والعيش في أوطاننا صار مملا، وكأن الحياة عقوبة لذنب لم نقترفه.

من الكلمات ما يستوقفنا، تحضر على شفاهنا بتلقائية كما حدث قبل مدة، عندما وصلني تفصيل عن شاب كنت أحترمه لطيبته وبساطته وخلقه، أكمل دراسته واختار كلية في علوم الحاسوب وتخرج منها، وبعد الاحتلال وتفكك عائلة الدولة وعائلة الشعب لم يجد عملا، فتوجه كما يفعل الشباب إلى الفرص المتاحة في دول الأزمات والمواجهات المسلحة، تطوع كغيره من آلاف العاطلين عن العمل، لإعالة أنفسهم وأهلهم ومحاولة بناء حلم لأسرة جديدة، ومنهم من يصبح ضابطا حسب شهادته، ومنهم من يتطوع جنديا.

صديقي الشاب له شقيقتان، الكبرى لم تتجاوز الرابعة والعشرين عاما، توفيت بسبب جهل طبيب التخدير بعد عملية ولادة قيصرية، كان تشخيص الأطباء، خلل في القلب لنقص الأوكسجين، بعد معاناة أربعة أشهر فارقت الحياة تاركة طفلة ستحيا بلا أم، هل يحدث هذا في دول تحترم الإنسان؟

صديقي الصغير أصبح ضابطا في الجيش العراقي، تزوج وبالرفاء والبنين له ولد بعمر السنتين، اتصلت به زوجته لتطمئن عليه قبل منتصف الليل فرد عليها أحدهم: من تريدين؟ قالت بلهجة بغدادية “عيني هذا موبايل زوجي”، قال وما اسم زوجك؟ قالت “فلان الفلاني” سمعته ينادي من فلان الفلاني؟ وعندما حضر زوجها سمعت صوته، ثم رد عليها الصوت الأول: سنرسله إليك في إجازة طويلة، ثم سمعت ضجيجا وإطلاق نار. في اليوم التالي تأكد لهم أن الجماعات الأصولية احتلت موضع الفصيل في أحد السواتر من قاطع عمليات الأنبار وأعدمت الجميع ومنهم صديقي الشاب.

لا أكمل لكم مأساة هذه العائلة العراقية بما تبقى منهم، لأنها تراجيديا أصابت قلب كل بيت في العراق، ومنها ما استحضر مفردة “عصرت قلبي” على لساني دون تردد، تم عصر القلوب ولم يتبق إلا أوشال لسعادة ونبض لحياة كريمة. دولة فاشلة وفاشية حتى بالمقاييس الأممية، تقبع في ذيل الدول الصالحة للعيش، تتنازل عن المعايير، لا تشارك في سباقات التنمية، ولا توفر لأبنائها إلا ما يعرف بسباق الحلقة المفرغة كما في حكاية ثور الساقية، يدور ويدور حتى تخسف به الأرض بينما هو يروي أرض الآخرين.

منذ أمد بعيد، الفقراء لا يجدون عملا فيتطوعون في الجيش، بل الأكثرية من مراتب جيشنا كانت من مدن الجوع والفقر، وليس جلدا للذات عندما نشارك المجتمع الغربي في تسميته لنا بالدول المتخلفة، إنه مصطلح دأبت الأمم المتحدة على تهذيبه والإغداق عليه بالأمل، فكنا تحت تصنيفها دولا نامية.

الاقتصاد، ودخل الفرد، وتوفر العمل، والإنتاج عوامل مساعدة لتحقيق التنمية، لكننا، بكل واقعية، لا يمكننا مع العقل التقليدي في إدارة شؤون الدولة، أن ننهض بعقود من المفاهيم، ترسّخت في مجتمعنا وسادت أنماطا قبلية وسلطوية ودينية في أعماق النفوس وتفاوتت بين مدينة وأخرى.

تتميز بعض المدن بزيادة نسبة الضباط، نتيجة لإحساس العوائل بالخوف فتوفر لذاتها سلطة مستقبلية تحتمي بها، تتوسط من خلالها وينظر لها بالخشية والاحترام أيضا، لأننا لم نبن مجتمع المواطنة والدولة الراعية وتعدد التوجهات وتنوع الاقتصاد.

محاولات مبتورة دائما في الثورات الحقيقية، وهي ثورات لا تحتاج جيوشا أو جنودا يبذلون دماءهم في سبيل الوطن، إنما جيوشا من المهندسين والمبتكرين والأطباء والمزارعين والعمال وأصحاب الاختصاص والفنيين والكتاب والفنانين، جيوشا تصنع الحياة وتقاتل في ميادين استثمار باطن الأرض وزراعة ما فوقها، وتوفير الطاقة وإشاعة روح الأمل بغدٍ أفضل. الاستثمار في الموت لن يؤدي إلا إلى المزيد من التبذير في الموارد البشرية والمادية، وصناعة الأشرار وتفاقم الجهل وتفريخ التعصّب.

نحن لا نصنع جيشا وطنيا كما تُحَدِثنا الوقائع، ولا نشيّد مصنعا ولا مزرعة ولا مدرسة في ظل إرهاب الفقر وإرهاب إهمال المواطن والنظر إليه سلعة حرب أو سلعة خدمات تحت الطلب، في يد حكومات تحت الطلب، تصنع جيوشا من الصعاليك والفقراء والأيتام، وحلم هذه الجيوش الحصول على خيمة ووجبة طعام ومنحة لجوء وكفيل ضامن على معبر جسر البزيبز. العالم يزداد سعادة وتقدما، ونحن نزداد إنجابا لاستثمار التفوق على الأعداء.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر