السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

سلالة النائمين

إذا كان الإنسان الذي يعيش ستين سنة فقط، ينام منها عشرين سنة كاملة، فهذا يعني أن عمره المستيقظ هو أربعون عاماً فقط.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/04/24، العدد: 9897، ص(24)]

وقّع جمال عبدالناصر في العام 1960 في سرايا القبة في القاهرة على قرار جمهوري يأمر بتشييد نصب تذكاري في دمشق، زمن الوحدة بين سوريا ومصر، وجاء القرار على أن يكون هذا النصب على شكل عمودي، يرتفع عالياً في ساحة الأمويين، ليكون معمارياً على شكل السيف الأموي، وتم تنفيذ المشروع، الذي ما يزال قائماً حتى اليوم، فأطلق عليه أهل الشام حينها اسم “خازوق الوحدة” للتعبير عن مدى فرحهم بمنجزات الدولة الاتحادية الاندماجية بين الإقليم الشمالي والإقليم الجنوبي.

وقبل ذلك بثلاث سنوات جاءت كوكب الشرق أم كلثوم إلى دمشق، فحضر حفلها وجهاء المدينة، وكان من بينهم حسني تللو الشهير، صديق السياسيين والمفكرين والمعروف بتهكّمه وسخريته حتى من ذاته، ذهب برفقة والده إلى منطقة “المنشية” قرب “خازوق الوحدة”، للاستمتاع بصوت وأداء سيدة الطرب العربي، ويروي تللو بنفسه قائلاً: رحتُ مع أبي لأسمعها، وطال الانتظار، ولم تظهر الست، فذبل أبي ونعس ونام، ثم طلّت علينا أم كلثوم فأفاق الوالد، ولما بدأت الآلات الموسيقية، طالت المقدمة، فنام من جديد وأخذ يشخر، بينما كانت أم كلثوم تغني أغانيها الرائعة “يلي كان يشجيك أنيني” و “رباعيات الخيام” و”دليلي احتار”، وكان يجلس إلى جانبي واحد من كبار القوم، فهمس لي “دخلك مين هالـنايم يللي قاعد جنبك؟”، فقلت له “والله هاد أبي”، فقال “الله يبارك لك فيه، وهالسلالة إن شاء الله ما بتنقطع″.

ولم تنقطع سلالة النائمين في لحظات الطرب، والفكر، والحرب، ومنعطفات التاريخ، ليس عندنا فقط في البحر العربي الهادر، بل إن وكالات الأنباء تناقلت الشهر الماضي خبراً عن إخلاء السلطات في كازاخستان لقرية أصيب سكانها فجأة بهوس النوم، ليل نهار، وقالت صحيفة سيبيريان تايمز إن قرية كالاتشي تعاني من أعراض النوم بطريقة غامضة، وأن الأمر كان قد بدأ قبل عامين من الآن، ولكن يبدو أن نوم الأهالي تسبب في تأخر وصول الخبر إلى الإعلام لسنتين متتاليتين، ومن أعراض ما أصاب الكالاتشيين، أنهم بعد فترات النوم الطويلة، يستيقظون غير متذكرين أي شيء، وكأن الزمن تجمّد تماماً خلال نومهم، فلعل هذا المكان سيكون من مقاصد السياح العرب قريباً، للتعرف على سحر النوم عن كثب.

ولكن العاشق لا ينام، فقد قرأ المغني العراقي الكبير يوسف عمر على مقام الصبا في العام 1956 “ناموا وعين الصبّ ليس تنامُ، لله ما فعلت بي الأيامُ؟ أرعى النجومَ ولي فؤادُ خافقٌ، مُزجتْ بنغمة وَجْدِهِ الأنغامُ”، وقال الخيام “سمعتُ في حلمي صوتاً أهابْ، ما فتَّق النّوم كمام الشبابْ”، وإذا كان الإنسان الذي يعيش ستين سنة فقط، ينام منها عشرين سنة كاملة، فهذا يعني أن عمره المستيقظ هو أربعون عاماً فقط، أي أنه يقضي ثلث حياته مشغولاً في ما لا يد له فيه، غارقاً في عالم الأحلام والكوابيس.

وإذا كان نوم الظالم عبادة، وتقرّباً إلى الله، بسبب الرحمة التي يتيحها سباته للعباد، كي يتنفسوا قليلاً، فإن نوم المظلوم الجاهل كفرٌ، ودعوته حين يستيقظ غير مستجابة.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر