الاحد 28 مايو/ايار 2017، العدد: 10646

الاحد 28 مايو/ايار 2017، العدد: 10646

الثورة إذ ترد الناس وحوشا أو بشرا أسوياء

ليس للثورات ذنب، اللهم إلا في كونها ريحا كاشفة، أزاحت أقنعة تتعدد بتنوع درجات المرض، وطبائع المرضى من أقصى اليمين، إلى أقصى اليمين الآخر.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/04/28، العدد: 9901، ص(8)]

في أربع سنوات أخرجت الثورات العربية أثقالها، جيوشا من القادرين على الإفتاء في كل شيء، من مستقبل طاقة الرياح، والمشكلات الفنية في أداء القمر الصناعي المصري، والحروب الكونية القادمة، إلى طبيعة التحالفات المتوقعة بين اليمين الديني، ورأس المال الأميركي، وهو يميني أيضا. ولكن إحباط ما بعد الثورات لم ينل ما يستحق من دراسة، الأدق من دراسات؛ لأن الإحباط أنواع، والمحبطين مدارس، وخائبي الرجاء تيارات، وكارهي البشر حالات تستعصي على التعميم، ويستحق الكثير منها الشفقة لا اللوم. التماس العذر درس تعلمته من جاري القديم.

وكان يحلو لجارنا العجوز أن ينطق عبارات فصيحة، ولا يميل مثلنا إلى نطق حرف القاف همزة. لم ألمح في يده كتابا، ولا أعرف هل هو أميّ أم له نصيب من العلم؟ ولكن صوته كان عذبا، ويرتّل القرآن ترتيلا فيبدو فمه خاليا من الأسنان. كنا في الغيط حين دار بينه وبين رجل عابر حديث لا يعيه صبي في سني، وبعد ذهاب العابر قال لي العجوز ساخرا “رجل عنين، الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيرا من خلقه”. كان ضروريا أن أسأله عن معنى “عنين”، وهو ارتبك ارتباك الحائر في إيضاح الواضح، ما يراه واضحا. هز رأسه وقال “مسكين، عاجز”، ولأن العابر كان ضخما جسدا له خوار، فقد سألت “عاجز؟”، وتأكد لجاري أنني لا أعي دلالة الكلمة، فأوضح “عاجز، يعني ما لوش في النسوان. ربنا يحفظنا”. لمح خجلي فابتسم، كنت خجولا ولا أزال أحتفظ ببقايا ذلك الخجل، وقال “لو أنه طبيعي كان دارى على شمعته، وخاف على الأقل من الحسد”.

كنت أتذكر جاري كلما سمعت مسؤولا بارزا من رجال حسني مبارك، مشهودا له بالمهارة التاريخية كقواد محترف، يردد “مصر تعيش أزهى عصور الديمقراطية”؛ فليست الفحولة بالنيات، ولا الديمقراطية بالاستعراض اللفظي. فالدول الحرة تخلو، تقريبا، من عُقد نفسية تحكم سلوك أمثال ذلك “العنين”، ربما يوجد عجزة، ولكنهم لا يخجلون ولا يسترون المرض بالادعاء، كما تخلو هذه الدول من أي كلام عن الديمقراطية؛ فمن يمارس الشيء لا يضطر إلى “الكلام” عنه، وليس جديدا أن بائعات الهوى أكثر إلحاحا على افتعال الكلام عن “الشرف والعفة”، شأن باعة البضائع المغشوشة، وخصوصا لو كانوا من سلالة أعداء الحياة كارهي البشر ممن يظنون كل موقف مؤامرة، وأي موقع غنيمة، لأن تصحّر النفوس يغذي فقراء الروح، فيحسبون الأغنياء متفرغين لأكل اللحم والحلوى، ولا يمدهم خيالهم القاصر بأي شكوك، أن يكون الأثرياء نباتيين أو مصابين بالسكر. كما يقسم الإسلامجية أن الغرب “الصليبي الكافر”، بنص كلامهم، لا يشغله إلا الدفاع عن حقوق المثليين.

الذين فاجأَتْهم الثورة بعد طول فترات الخدمة، لمسؤولين في العهد البائد، أو أثرياء الخليج، يتخذون شعاراتها أقنعة للانتقام، من الجميع، من تاريخهم الشخصي الذي يخجلهم فيسقطون تشوهاتهم النفسية على الآخرين. وإذا كان إخوان الصفا دعوا إلى “توظيف الحكمة في تنقية الشريعة من الجهالات” تمهيدا لإقامة دولة “أهل الخير”، فإن من كشفت الثورات خراب أرواحهم يوظفون بقايا مهاراتهم في تعميم هذا الخراب النفسي، لكي لا يكونوا استثناء، ولا تسعفنا إلا نظرية الإسقاط في علم النفس، لتفسير سلوك المرضى بالاضطهاد، ومن اضطهدوا فعلا، ولم تتح لهم القدرة على تجاوز الانحناء، وممارسة الاستبداد المضاد.

كان لينين على حق، حين سخر في كتابه “مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية” من هؤلاء “ليس من الصعب أن يكون المرء ثوريا، عندما تكون الثورة قد اندلعت واستعر أوارها”. ثم كان جورج ديهاميل أكثر صراحة في دفاعه “عن الأدب”، حين انتقد جانبا من بؤس الفتاوى السياسية، ورأى السياسة “لذة الفقير”، وهي في مصر ما بعد 25 يناير 2011، تحديدا بعد انتصار الإرادة الشعبية في “جمعة الغضب” لا تكلف شيئا، ويستطيع أي أحد أن يلعن حسني مبارك وحسين طنطاوي ومحمد مرسي وعبدالفتاح السيسي، ومن سيأتي بعده من باب الاحتياط.

لم يحظ متاعيس الثورات العربية بدراسات نفسية لائقة، وإن كان صلاح جاهين لخص الأمر، واقترب منه، في هذه الرباعية:

“رقبة قزازة وقلبي فيها انحشر

شربت كاس واتنين وخامس عشر

صاحبت ناس م الخمرة ترجع وحوش

وصاحبت ناس م الخمرة ترجع بشر

عجبي”.

تستطيع أن تضع “الثورة” مكان “الخمرة”، لكي تخرج بالنتيجة نفسها.

ليس للثورات ذنب، اللهم إلا في كونها ريحا كاشفة، أزاحت أقنعة تتعدد بتنوع درجات المرض، وطبائع المرضى من أقصى اليمين، إلى أقصى اليمين الآخر، مرضى من أهل اليقين ابتلاهم ربهم بالاستعلاء الديني؛ فيظنون أن الله “لم يهد سواهم”، كما وصفهم ابن سينا، ومرضى يحتكرون الوطنية، يحلو لهم الانتصار للغالب والالتحاق بركبه، أيا كانت وجهته.

الثورات مستمرة، إلى أن تحقق أهدافها في الحرية والتغيير المستحق، ويكفيها إلى الآن كشف ما آلت إليه بعض الأرواح من تصحر، فهي كالحجارة أو أشد قسوة، وأصحابها يستحقون الشفقة لا اللوم، اتباعا لهدي فطرة جاري العجوز، فمثل هذه الأمراض ليست لها من دون الله كاشفة.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر