الاثنين 1 مايو/ايار 2017، العدد: 10619

الاثنين 1 مايو/ايار 2017، العدد: 10619

من الصفر أعداء إلى الصفر حلفاء

من دمشق إلى بغداد، ومن طهران إلى موسكو، ومن القاهرة إلى طرابلس، ومن تونس إلى ريفان، ومنها إلى دبي وعواصم الخليج العربي، باتت الدبلوماسية التركية تمثّل عبئا ومحل تحفظ وامتعاض.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/04/28، العدد: 9901، ص(8)]

عادى رجب طيب أردوغان التاريخ قبل الجغرافيا، وأثار حفيظة الأصدقاء قبل الأعداء، وبات في الكثير من الأحوال “نصف خليفة استبدادي ونصف رئيس ديمقراطي”، ومع كل ما سبق سقط النموذج الديمقراطي التركي في أعين المحافظين قبل الديمقراطيين، ومعه اختلّ العمق الإستراتيجي لتركيا “أوغلو أردوغان”.

الناظر لعدد الرؤساء والمسؤولين الدبلوماسيين المشاركين في إحياء ذكرى مئوية مذبحة الأرمن، يدرك كم باتت تركيا وحيدة في سياقها الجغرافي والإستراتيجي، ويستنتج أن سياسة “الصفر مشاكل” التي اعتمدها وزير الخارجية السابق أحمد داوود أوغلو استحالت اليوم إلى “صفر حلفاء” في الإقليم على الأقلّ.

ذلك أن عددا معتبرا من المتضامنين مع الأرمن هم في الحقيقة شركاء في المظلومية التاريخية والسياسية على يد الأتراك، كما أن الجزء الأكبر من المتقاطرين على العاصمة الأرمنية يجمع بينهم خيط ناظم واحد يكمن في التناقض العضوي والإستراتيجي مع تركيا أردوغان، الأمر الذي حول منصة يرفان إلى محطة تقارب وتضامن وتقاطع بين كافّة المتضررين من شبقية السلطنة وتعالي العثمنة لدى أردوغان وصحبه.

ما قبل الربيع العربي، ليس كما بعده، بالنسبة إلى تركيا أردوغان، انفتح الحلم العثماني على عواصم الربيع العربي الذي اغتالته عواصف الإسلام السياسي، وانكشف العمق الحقيقي للعمق الإستراتيجي التركي وظهر بالكاشف أنّ سنوات “تبيئة” السياسة التركية مع المحيط الإقليمي ليست سوى حصان طروادة تمهيدا لإرساء مشروع إخواني في ظلّ الشرذمة العربية والقطرية المحليّة الضيقة.

خسرت تركيا، التي استطاعت قبل الربيع العربي استمالة سوريا وإيران ولبنان وأرمينيا وليبيا وحتّى البعض من الأكراد إضافة إلى دول إسلامية في شرق وغرب آسيا، قوّتها الناعمة بمجرّد انخراطها وارتهانها لمشروع “الأخونة”، وتحوّل مشروع الصفر مشاكل إلى الصفر حلفاء وأصدقاء.

من دمشق إلى بغداد، ومن طهران إلى موسكو، ومن القاهرة إلى طرابلس، ومن تونس إلى ريفان، ومنها إلى دبي وعواصم الخليج العربي، باتت الدبلوماسية التركية تمثّل عبئا ومحل تحفظ وامتعاض، لا لأنّ أنقرة تشكّل الحاضنة السياسية لفصيل سياسي بعينه، ولكنّ لأن تركيا أردوغان مسكونة بهاجس التوسع والامتداد على “الإيالات” السابقة للخلافة العثمانية عبر الإسلاميين، وهنا يكمن الفرق بين أن تدعم تركيا فصيلا سياسيا ضمن معادلة داخلية، وهذا أمر مرفوض، وبين أن تسعى تركيا إلى السيطرة على حدائقها الخلفية السابقة في شمال أفريقيا عبر فصيل سياسي بعينه، يجهل أو يتجاهل أنّه ليس سوى بيدق في لعبة أمم كبرى، وهذا أمر ممنوع.

اللافت أنّ حقيقة الصفر حلفاء إقليميين انسحبت على الواقع التركي المحلي، وصار حزب العدالة والتنمية يعاني من صفر حلفاء حزبيين، ذلك أنّ حزام الأمان السياسي للعدالة والتنمية انفرط بقوّة على وقع فضائح الفساد ووقائع الاستبداد التي ضربت تركيا مؤخرا.

المثير للانتباه هنا أنّ أكثر الأطراف المنتفضة على أردوغان هي الأطراف الإسلامية التركية المحافظة من جماعة فتح الله غولن، إلى حزب السعادة لمؤسسه نجم الدين أربكان، ما يعني أنّ أردوغان بات اليوم بلا خزان سياسي ديني، الأمر الذي يفسّر التحالف العضوي القائم بين أردوغان وإخوان العالم برمته، وهو تحالف يسعى إلى ردم الهوّة الداخلية القائمة في المشهد التركي المحافظ، والإيهام بوجود إجماع إسلاموي دولي حول “سلطان” لا يحظى بالترحيب ولا بالتنويه في المربع الضيّق للباب العالي.

نعم، اكتسبت مئوية إبادة الأرمن زخما سياسيا ودبلوماسيا كبيرا وفرضت على أنقرة مواجهة العالم والتاريخ، ليس فقط لأن الأرمن يستحقون التنويه والتضامن والتأييد في محنتهم التاريخية، ولكنّ أيضا لأن جزءا كبيرا من العواصم باتت تعيش ذات المظلمة وذاقت ويلات العثمنة والتتريك.

من الصفر أعداء خارجيين، إلى الصفر أصدقاء إقليميين ومحليين، خسرت تركيا الكثير، خسرت العمق الإستراتيجي والقوة الناعمة والشخصية الاعتبارية. خسرت وساطات إقليمية وأدوارا توفيقية في عالم عربي هائج ومائج بدماء أبنائه، وأبقت فقط، وللأسف، على “الصفر”.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر